قبل ثلاث سنوات دخلت (شمسة) في مشروع روحاني لاكتشاف أعماق الذات والوصول إلى حالة الكشف النوراني والسلام الداخلي، كانت تجلس كل ليلة في حالة تأمل عميقة وتتنفس بهدوء تاركة خيالها يسبح في غياهب مجهولة وذكريات قديمة معتقة، في البداية بدأت تسمع أصواتاً من داخلها على شكل أوامر صوتية.
لكنها لم تميز هل كان ذلك صوت عقلها أم صوتاً آخر من عوالم أخرى، ثم تطورت الحالة فصارت ترى مشاهد مركبة ووجوهاً غريبة وانفلاجات من النور مخلوطة بكلمات وألوان ولم تعرف كيف تفسر ما تراه.. هل هي رسائل من العالم الآخر أم هي إيحاءات ورغبات دفينة يرسلها العقل على شكل إشارات مرئية وأصوات.
في إحدى الليالي رأت نفسها وسط حاشية من الكائنات الغريبة التي حملتها أولاً إلى البحر وراحت تغسلها وتطهرها من الأفكار والذكريات والرؤى الكابوسية، ثم أخذتها الكائنات مرة أخرى إلى الصحراء وراحت تفرك روحها بالرمل والريح، وبعدها تركوها وحيدة في العراء الشاسع لتلتقي بذاتها الأصلية وتواجه في الخيال ما لا تستطيع مواجهته في الواقع.
وكانت شمسة في كل مرة تخرج منهكة جسدياً من هذه الحالة لكن عقلها كان يرمي القشور ويصبح أكثر إشراقا وشفافية، وصارت ترى الحياة من منظور أوسع لا يحدها الزمان بوقت ولا يقيدها المكان بمساحة بعينها، وبالتدريج أصبحت كائنة تسبح في سديم المعرفة، تنتمي إلى الخيال كأنه الحقيقة، وترى في الحياة الواقعية أشياء كثيرة زائلة وزائفة وبلا معنى.
اليوم تحاول شمسة أن تكتب ما تراه لكنها تجد الكلمات عصية على التعبير، كل ليلة تنهب قلماً وتترك يدها لساعات على الورقة، وفي الصباح لا تجد سوى خربشات ورسومات متداخلة غامضة، وبعض النصوص التي لا تعرف هل كانت فعلاً نصوصها وكلماتها أم هي الروح تعبر عن نفسها بطريقة حرة.
آخر ورقة كتبتها شمسة قبل أيام وجاء فيها ما يلي:
على بساط النور زرعت وردة الخيال ونمت معها
إنها تتلون، ولكني أراها حمراء في الليل
الكائنات المشعّة تحملني من أرض إلى أرض
ومن زمن مضى إلى زمان يدوم
يدي خضراء وأنا ألوح للمرايا كي أرى نفسي
أسمع ضحكات في الريح وهمسات وصمت
والبداية عندي لا تنتهي.
akhozam@yahoo.com