نتعرف في هذه المسرحية التي كتبها وأخرجها الكاتب الكندي من أصل لبناني وجدي معوض، على شكل آخر من الأشكال المسرحية حيث يندرج هذا العمل ضمن رباعية مسرحية بدأها الكاتب في مسرحيتي «ساحل» (1997) و«حرائق» (2001) متابعاً تعميق أفكار عديدة مثل فكرة التواصل مع الآخر وأطر العلاقات الانسانية والإرث الثقافي الذي يقول عنه الكاتب معوض: «ليس المقصود بذلك الإرث المادي و إنما بذلك الإرث الذي ينتقل من جيل لآخر والذي يحول حياة الناس إلى نوع من القدر الغير قابل للتغيير».

يبدو لنا مشهد المسرحية الأول مختلفاً تماماً عن باقي أحداث المسرحية ففيه نرى مجموعة من الأصدقاء الكنديين معظمهم من أصول أجنبية يجتمعون في بيت المرأة إيميه في احدى ليالي نوفمبر من عام 1989. يتحلق هؤلاء الأصدقاء حول مائدة عامرة بالمأكولات، يتكلمون عن أشياء عديدة أهمها سقوط جدار برلين، ذلك الحدث الذي غير وجه أوروبا.

وفي تلك السهرة تعلن «إيميه» أيضاً أنها تنتظر طفلاً. بعد ذلك المشهد الاحتفالي الذي ينتهي بالرقص والغناء يعلم زوج «إيميه» أنها مصابة بمرض غريب في رأسها وذلك بعد أن عانت من أضغاث حلم كان يطاردها. كان ذلك بداية أعراض المرض الغريب حيث قال لها طبيبها ان عظما غريباً قد اكتشف في رأسها وهو عبارة عن الجنين التوأم للطفل الذي في بطنها. وهنا فإن تتمة الأحداث تنبع من تلك الفرضية فتبدأ سلسلة من المشاهد التي تشرح علاقة النساء الست ببعضهما البعض في المسرحية والتي تدور حول مفهوم الوجود والإرث الذي يتلقاه الإنسان بشكل طبيعي من أهله.

تدور أحداث المسرحية حول قصة الجندي «لوسيان بلوندل» الذي فر من أرض المعركة عام 1917 والتجأ إلى غابة موحشة، وبعد أن توغل في أحراشها صادف أربع نساء يعشن بين الحيوانات البرية. نشأت قصة حب بينه وبين إحداهن ليون وانتهت بالزواج. وهكذا فإن غابات وجدي معوض تروي حياة ست نساء تعاني كل واحدة من مشكلة ما تتلخص بالتناقض مع واقعها ومع حدث من ماضيها.

كما في المسرحيتين السابقتين «ساحل» و«حرائق»، يتابع الكاتب في هذه المسرحية التطرق إلى فترة ما بين الحربين العالميتين من وجهة نظر المهاجرين الذين ينحدرون من أصول مختلفة. بعد أن قدم المسرحية بمشهد الأم التي أصابها مرض خطير توفيت على إثره، راحت البنت «لو» تبحث عن أصل أمها الذي تقاطع مع النساء الخمس الأخريات.

فهي كانت تتشح بالسواد حداداً على ماض غابر يعيش في حاضرها اليومي ولم تكن تعلم ما سبب هذا الحزن الذي لا ينفك إلى أن ساعدها أحد المحققين المختصين على التقصي عن أصل أمها. وهنا فإن الكاتب يريد أن يقول لنا بشكل غير مباشر ان الفرد لا يمكن له أن يتخلص من المآسي الجماعية التي تصيب الآخرين.

يحتل الخشبة أحد عشر ممثلا مفعمي الحركة يؤدون أدوارهم بشكل مثير على مدى أربع ساعات متواصلة تتخللها استراحة قصيرة. وهنا فإن طول مدة العرض عائد إلى تقاطع المشاهد والأحداث الجانبية التي تتفرع عن القصة العامة للمسرحية.

معظم الشخصيات الإحدى عشرة هم من النساء: فأولهن «فيرونيك كوتي» تضحي بحياتها كي تعيش الثانية و هنا فإننا نعتقد أن المسرحية ستتطرق لموضوع الإرث لكننا نكتشف أن الكاتب يولي الصداقة أهمية خاصة فيقول: «الصداقة تنقذنا من إرث العلاقات العائلية».

يطرح وجدي معوض في هذه المسرحية التساؤل التالي: «ماذا يعني وجودنا في هذا العالم؟» تلك الفكرة التي نرثها طبيعيا دون أن نقف عندها كثيرا، فغالبا ما نتلقى فكرة الوجود من الأشخاص المحيطين بنا وخصوصاً من العائلة.

ضمن هذه المتاهة المليئة بالألغاز تتقاطع أزمنة متعددة يلخص كل واحد منها قصة تتعلق بشخصية ما، تبدو غابات وجدي معوض وكأنها جولة في عالم متشابك القصص شبيه بالتجوال تحت أشجار الغابات الكثيفة. وهنا فإن لعنوان المسرحية دلالة رمزية كبيرة تشير إلى مد الغابات الذي يكتنف علاقاتنا الإنسانية والتي يعبر الكاتب عنها عبر القصص المتداخلة لنسائه الست.

في هذه المسرحية يجد المشاهد نفسه على موعد مع فضاء مسرحي يتداخل فيه الحلم و الواقع اللذان يسودان علاقات تلك الأشخاص، فالفتاة «لو» تجد صعوبة في العيش في ظل غياب أمها و هنا فإننا نراها تنتقل بين لحظات الحاضر الذي تعيشه وحيدة باحثة عن أمها ويساعدها في ذلك محقق خاص و بين لحظات الحلم الذي يصور لنا تلك الأم التي تتعرض لمرض غريب أودى بحياتها. يعتمد المخرج على تقنية المشاهد المزدوجة لتجسيد لحظات الحاضر والمستقبل مستفيداً من تقنيات الإضاءة التي تسمح له بتصوير مشهد من الحاضر (حياة الفتاة لو) ومشهد من الماضي (مرض أمها) في الوقت نفسه.

يقول وجدي معوض عن مسرحيته: إن كتابة غابات تتبع إيقاع التدريبات التي نجريها على الخشبة حيث انني لا أنطلق من نص مكتوب قبل التمرين وإنما هناك فكرة أولى أكوّن منها مفهوم الشخصيات و بعض المشاهد و الحوارات. يتم الربط بين هذه العناصر المسرحية على الخشبة بعد أن أشرح للممثلين الخطوط الأولى للعرض ثم يقومون بتأدية أدوارهم.

وهنا فإنهم قد يعدلون بعض محاور القصة بشكل يتناسب مع حركتهم على الخشبة. لهذا فإن زمن البروفات يطول و قد يأخذ عدة أشهر كي يأخذ العرض شكله النهائي. وهكذا لا يمكنني كتابة مشاهد المسرحية دون لقاء يومي مع الممثلين والحوار معهم حيث أنني أعتبر هذه الطريقة الشرط اللازم لكي يرى العرض النور على الخشبة.

إن مسرحية غابات ترسم بجرأة ملامح ملحمة معاصرة من الروابط الإنسانية المعذبة والمتشابكة التي تحكم علاقات أشخاص كثر في أزمنة وأجيال مختلفة. إنها أشبه بمختبر تشخيص إنساني ضمن الغابات الكثيفة التي تؤطر شكل العلاقات الإنسانية.

باريس ـ منتجب صقر