(مكتبة الاسكندرية والمستقبل) عنوان المحاضرة التي ألقاها د. إسماعيل سراج الدين مدير عام مكتبة الاسكندرية، بدعوة من مؤسسة سلطان العويس الثقافية، أكد في مستهلها أن المكتبة الجديدة، بنيت لتسترجع روح المكتبة القديمة، وكي تكون نافذة العالم على مصر والعالم ورائدة في المجال الرقمي، إلى جانب كونها مركزاً للمعرفة والتسامح والحوار والتفاهم.
فيما أشار د.محمد المطوع رئيس قسم الدراسات في جريدة (البيان) في تقديمه للباحث الضيف، على الدور الكبير الذي لعبته المكتبات في حياتنا الثقافية والحضارية في الوطن العربي، ولعل مكتبة الاسكندرية كان لها دور وسيظل لها دور سواء في الحاضر أو المستقبل.
من جهته قال د. سراج الدين: منذ أن انشأ الإسكندر الأكبر مدينة الاسكندرية عاشت المدينة عصرين ذهبيين، أحدهما ثقافي والآخر تاريخي، ففي العصر الكلاسيكي كانت مدينة الاسكندرية هي العاصمة المتوجة للعالم القديم ومركز للإشعاع الثقافي، وقد ساهم موقع المدينة كي تصبح حضارة متوسطية لها شأنها في هذا الوقت وأثرى نموها الثقافي الذي نفذ إلى كل أرجاء المنطقة، وخلال القرون الوسطى حافظت الاسكندرية على علاقتها القوية وتبادل الثقافات مع العالم الإسلامي وعالم البحر المتوسط. وقد بدأت الفترة الثانية لازدهار المدينة من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين وقد أطلق على هذه الفترة عصر الجاليات المختلفة بالمدينة أو العصر الذهبي للمدينة، وقد أدى النمو الثقافي للمدينة بجانب تعدد الأعراق بها إلى ازدهارها وإحيائها من مدينة مهملة طواها النسيان إلى أن تصبح العاصمة الثانية لمصر، وأن تحقق رؤية الإسكندر لها حين أصدر أوامره بإنشائها لتصبح العاصمة الأولى ومهدا للثقافة والتجارة والفن وأن تدعم روح العالمية والتنوع والتعددية والتفاعل البناء.
مؤكداً أن لا علاقة لعمرو بن العاص بحرق مكتبة الاسكندرية، لأن الحرق تم على ثلاث فترات في عهد كليوباترا ويوليوس قيصر في عام 48 ق.م، والثاني أيام الملكة زنوبيا سنة 272 ق.م، عندما رجع أورليان، وهدم الحي الملكي ومبنى المكتبة الأصلي، والحريق الثالث في عام 391م، متحدثاً عن العصور المظلمة في أوروبا، وبيت الحكمة أيام الخليفة المأمون الذي قام بعملية الترجمة، ونقل العلم والمعرفة إلى اللغة العربية، بعد أن كيل كل كتاب يترجم إلى العربية ذهباً.
وحول المكتبة الجديدة التي لم يتجاوز عمرها أربع سنوات، قال د.سراج الدين، إنها أكثر من مكتبة، حيث تتسع لملايين الكتب، إلى جانب مكتبة لأرشيف الإنترنت، ومركز مؤتمرات ضخم، يضم ثلاثة آلاف مقعد، وقبة سماوية، وثلاثة متاحف، وسبعة مراكز بحثية، فيما عدد الزوار يتجاوز (750 ألف زائر) سنوياً، منهم أطفال (240 ألف زيارة قارئ) بحدود مليون زيارة في السنة، فيما يزور الموقع الإلكتروني (100 مليون زائر سنوياً)، وتقام في قاعة المؤتمرات حوالي (500) حدث سنوياً، وهي مجمع لمراكز علمية تنبض بالحياة، بالإضافة إلى قاعة القراءة ومكتبات متخصصة: كمكتبة طه حسين للمكفوفين، ومكتبة للطفل من (5 ـ 11عاماً)، ومكتبة للناشئة من (11 ـ 16 عاماً)، ومكتبة كبيرة، ومكتبة للوسائط المتعددة والسمعية والبصرية، ومكتبة الكتب النادرة، وقسم المخطوطات، وأرشيف الإنترنت، إلى جانب متحف المخطوطات ويضم (6200 مخطوطة)، بالإضافة إلى الفهرسة بأنواعها، والبرامج والدراسات الخاصة. وفيما يتعلق بالمقتنيات المكتبة الحالية، أشار د.إسماعيل سراج الدين أنه يوجد بالمكتبة مجموعة كبيرة من الكتب المختارة باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وكذلك مجموعة مختارة من كتب بلغات أوروبية أخرى مثل الألمانية والإيطالية والإسبانية ولغات أخرى نادرة، وتتضمن المجموعة الحالية مصادر من المانحين من جميع أنحاء العالم في شتى الموضوعات.
كما تحتفظ المكتبة بالمواد في نماذج مختلفة، كالمطبوعات بما فيها الدوريات والصحف، وكذلك مراجع الكتب وسلاسل المجموعات القصصية والرسائل العلمية والمواد غير المطبوعة، بما فيها شرائط الكاسيت وشرائط الفيديو، والأسطوانات المدمجة بالإضافة إلى المصادر الإلكترونية الأخرى، وقد تم اختيار الكتب الخاصة بالناشئة والأطفال، طبقاً لسياسة المكتبة في تطوير المجموعة لمتطلبات الناشئة، حيث يتم التوسع بصفة مستمرة في مجموعة مكتبة الاسكندرية طبقاً لدليل سياسة تطوير المجموعة. فيما تعتبر قاعة الاطلاع الرئيسية من ضمن أكبر قاعات الاطلاع في العالم، وتستوعب (2000 قارئ)، في آن واحد، وتوفر كذلك (200 حجرة )، دراسة للدارسين والباحثين، فيما مجموعة الكتب مصنفة طبقاً لتصنيف دوي العشري، وموزعة على سبعة مستويات وفق (هرم المعرفة) بدءا من (جذور المعرفة) في المستوىB4، إلى التكنولوجيات الحديثة في F2، كل المجموعة سواء المطبوعة أو غير المطبوعة، يمكن الوصول إليها عبر فهرس المكتبة الإلكتروني.
وحول المراكز البحثية في المكتبة تحدث د.سراج الدين عن مركز دراسات الاسكندرية وحضارات البحر المتوسط، ومركز الخطوط، ومركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي، ومركز الدراسات المعلوماتية، ومركز المخطوطات، ومركز الدراسات الخاصة، كذلك مشاريع: ألف محاضرة، وكتابي الإلكتروني والمطبوع، وتجربة طاقة في الجدار، ومنتدى الحوار العربي، ومستودع المواد الرقمية، وأكاديمية مكتبة الاسكندرية التي من أهدافها: دعم التميز في العلوم والفنون، والإسهام في بناء علاقات دولية جيدة عن طريق التعاون بين العلماء والمفكرين والفنانين، ونشر قيم العلم وثقافته في المنطقة، كذلك دعم الانفتاح على ثقافات الآخرين، وذلك من خلال حوار الثقافات، وتشجيع التسامح والعقلانية والحوار.
فيما تنصب أعمال الأكاديمية على تنظيم المحاضرات، والمؤتمرات، والمعارض، والجلسات للخبراء للتحاور في موضوعات معينة تحظى بالاهتمام العام، كذلك طباعة ونشر التقارير، ووقائع الجلسات كذلك تشجيع الدراسات المشتركة والتعاون مع المؤسسات الأخرى، واقتراح أساليب لتحسين مناهج تدريس العلوم، والرياضيات، والفنون، والمعاونة في رصد المواهب الشابة.
كما تحرص أكاديمية مكتبة الاسكندرية في كل أنشطتها على التعاون مع الأكاديميات الأخرى في مختلف الدول، وعلى المشاركة في المنظمات الدولية المهتمة بالعلوم والفنون، كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، والمجلس العالمي للعلوم ICSU ، الذي كان يُطلق عليه فيما سبق ( المجلس العالمي للاتحادات العلمية)، وهيئة مجالس الأكاديميات IAP ، ومجلس الأكاديميات المتعاونة IAC ، وأكاديمية العالم الثالث للعلوم TWAS .
مشروع المليون كتاب
أكد د.إسماعيل سراج الدين أن مشروع المليون كتاب، يمثل مخططاً مشتركاً بين مكتبة الاسكندرية وما يزيد على عشرين مؤسسة دولية، ما بين جامعات ومؤسسات معلوماتية إلى شركات تنموية من الولايات المتحدة وحتى الصين والهند، مما يحقق أهداف مكتبة الاسكندرية في استعمال التقنية الرقمية لجعل إبداع الفكر الإنساني في متناول ملايين من الأشخاص في العالم على الدوام، كما يمكن هذا المشروع من خلال عناصره المتعددة من جعل القراءة المجانية ومليون نسخة من الكتب البحثية متاحة عبر الإنترنت.
لذلك فإن المشروع يطمح إلى تحويل جميع الكتب المنشورة إلى كتب رقمية على أن يستهدف في المدى القصير مليون كتاب تحول إلى كتب رقمية، حيث يتم اختيار هذه الكتب حسب معيار دقيق وتشمل الكتب النادرة التي نفدت طبعتها، أو تلك التي ليس لها حقوق نشر أو المستندات الحكومية، كذلك كتب الأطفال والرسائل العلمية.