ما الذي يحدث في أوساطنا الثقافية العربية، وكيف يمكن أن يتحول مبدع ناشئ إلى طبّال في حي شاعر ناشئ آخر لا يقل جهالة وسوءاً عنه، وهل يعني تقديمه في أمسية معدّة سلفاً نوعاً من الاحتفاء بموهبته الشعرية القادمة إلينا بدفع العلاقات الشخصية، وجبر الخواطر، والخجل من طلب مؤدب بقراءة نقدية احتفالية، احتفائية بديوان لم يقرأه أحد بعد، ولم يطلع على مضمونه الثر.

ولمَ أصبحنا نألف وجود جوقة من المطبّلين، المزمّرين، المهللّين، الذين لا همّ لهم ولا شاغل سوى الترويج لتفاهات أصبحت الرائج والمرادف لمن صدقوا أنه إبداع وتميز لا يشق له غبار..؟ هل لأننا تعودنا النكبات حتى في الأدب، نحول معها الانكسارات إلى انتصارات، والهزائم إلى غنائم، والهلوسات إلى شطحات عبقرية..؟!

أسئلة كثيرة وتداعيات تمر في خاطري، كلما تابعت مراحل التحضير لأمسية أو حفل توقيع كتاب أدبي، في زمن للأسف، لا هو زمن الإبداع ولا زمن الأديب الحقيقي الصادق، فأغلب ما يكتب أخيلة أوهام وخواطر لا ترقى إلى أن تسمى أدباً خالداً أو جديراً بالقراءة والمتابعة، لكن ما العمل إن كان الموجود بهذا المستوى وهذا الضعف والترهل، ونحن القراء وجنود الصحافة والإعلام، مجبرون على الولوغ في أوحال النفس البشرية التي انحدرت إلى مستوى لا تحسدها عليها المخلوقات الأخرى، فلم نعد نسمع عن شاعر يهز الوجدان بقصائده وأشعاره، كما لم تعد المكتبات ودور النشر تتحفنا برواية أو مجموعة قصصية نتهافت إلى اقتنائها، والمفاخرة بأننا أول من أطلع عليها، واستوعب وناقش مضمونها ومحتواها.

لم يحدث ذلك، وهل حالتنا الثقافية المترهلة تشبه إلى حد كبير ما نمر به من أزمات ومحن، انعكست رغماً عنا على كتابات من أدعوا الكتابة وامتهنوا الأدب، أم أنه المخاض الذي انتظرناه طويلاً وخشيناً أن يلد مسخاً، كبر مع أحلامنا الضائعة، وهل نعلن الحداد الرسمي وننعي الإبداع الحقيقي، ونقيم المآتم على ساحات الورق، ونطلب ممن بقي في هذه الساحة الاعتزال حفاظاً على ماء الوجه، بعد أن جفت كل الينابيع، واتضحت الصورة دون أي رتوش، وعرف الجميع أي مستوى وصل إليه مبدعونا الأشاوس الذين لم لن يقتنعوا إنهم على هامش الهامش، مجرد أرقام لا قيمة لها في مدونة الأيام.

صدقاً.. لست متشائماً ولا أتحامل على أحد، لكن ما يحدث في الساحة الثقافية العربية، جدير بأن يكتب عنه بكل حيادية وتجرد، ودون محاباة لأحد، علنّا نستطيع أن نداوي جراحنا وننقذ ما نستطيع إنقاذه، ونفسح المجال للأصوات الجادة كي تظهر بهدوء دون ضجيج مفتعل، فما زلت أؤمن بوجود المواهب الحقيقية التي لا تستطيع الوصول إلى النور، بعد أن ملأت الأجواء خفافيش وجرذان الأدب، المعتاشة على إبداعات الصادقين، الصامتين، الصابرين، المنتظرين انزياح هذه الغمامة وانجلاء هذا الليل الطويل..

فمتى يهّل علينا الصباح بعصافيره وأطيافه ونورانيته، ومتى نقيم أفراح الأدب ولياليه الملاّح.. أخشى ما أخشاه أن يطول الانتظار، وتصمت (شهرزاد) عن الكلام المباح بعد أن أقلع (شهريار) عن كل عاداته، وقرر ترك الساحة لخفافيشنا وجرذاننا المتأدبة..؟!!

alomawi@albayan.ae