لن تثق بفاعلية الثقافة ما لم تجد مبدعاً رائياً يعرف كيف يقود اللحظة إلى فضائها الأشدّ إشراقاً.. هذا حال الذين لا يريدون سوى المزيد من الجمال الكوني لتصبح الحياة أكثر تكاملا مع نغماتها ومعانيها، مع حضورها وغيابها، فيتهذب الوجود، تتحاور الأضداد، تتناغم النقائض، وتظل في العالم اللا مرئي موسيقى تتهيّأ لإصغائنا.
من خلال هذه العوالم عبرنا إلى أعماق وزير الثقافة السوري المبدع الدكتور رياض نعسان آغا الذي يكشف لك عن إنسان تتأصل فيه الحضارة كما الثقافة، والثقافة كما الإنسانية بدلالاتها الأكثر سمواً وطموحاً وبناء.
ـ د. رياض، ما علاقتك بالثقافة منذ الكلمة الأولى، وماذا تبتغي من كل هذا الشقاء الجميل؟
ـ لن أجيب عن الشق الثاني كما أجاب أبو الطيب المتنبي، فما أبتغيه واضح أمامي. كان أبو الطيب يتطلع إلى السلطة ولم تأت إليه..، لم أتطلع يوماً إلى السلطة لكن، ما جاءني شفيف.. ما أبتغيه هو تثقيف الحياة وتهذيبها، وجعلها أجمل، عبْر ارتقاء بالذائقة لا يكون إلا بالثقافة. وأحسب أني ولدت في بيت مثقف، فوالدي كان عالماً بالدين واللغة، وكان فناناً ذا صوت عذب رخيم، وهكذا كانت الموسيقى أول ما سمعت، وكان الغذاء الراقي هدهدة قبل النوم، وكان القرآن والحديث النبوي والشعر حديثنا اليومي، وكان النحو والصرف والإعراب تسليتنا أثناء الطعام. في هذه البيئة المثقفة ولدت.
وكانت أول علاقتي بالثقافة كتكوين عبر جدي رحمه الله، وكان عالماً ومفتياً للمذهب الحنفي.. وكان وأنا دون الرابعة يعطيني ربع ليرة سورية مقابل كل حديث نبوي أحفظه، ثم ارتفعت التسعيرة إلى نصف ليرة مقابل كل خمسة أبيات من الشعر. وقد فاجأته ذات يوم بسيل من المحفوظات، وكان عليه أن يدفع عشر ليرات، فقال : شببت عن الطوق، اذهبْ.. وانتهينا.. !
طبعاً هذا الكلام كان في أواخر الخمسينات ثم في الستينات كنت قد بدأت ألامس حيوية نهضة الثقافة العربية لأن جيل الستينات على الصعيد العالمي كان جيل ثورة ثقافية فأتيح لي أن أتابع المسرح والسينما، والكتاب بطبيعته متوفر في بيئتي حيث كنت، وكنت كل يوم أسكن في المركز الثقافي حتى أن بعض زوار المركز كانوا يطلبون كتباً لا يعرف مكانها أمين المركز، فكنت أقوم من مجلسي لآتيهم بالكتب. وأحمد الله أنني عنيت بنفسي في فترة التكوين الأولى ولولا أنني فعلت لما أتيح لي في الزمن اللاحق أن أفعل. لذلك أنا مدين بما منّ الله عليّ به من حد مقبول من الثقافة لتلك الآونة العذبة من التكوين رغم كل ما فيها من عناء كنت أحسبه شقاء آنذاك، وهو الآن في ذاكرتي أجمل الأيام.
ـ ما بين الكتابة بكل أنواعها : مقالة، تفكير، بحث، سيناريو.. أين تجد نفسك؟
ـ أعتقد أنني جربت عدداً من الأجناس الأدبية. بدأت حياتي شاعراً، ثم اكتشفت أن موهبتي في الشعر لا تسمح لي بأن أكون في المقام الأول، فانسحبت باحثاً لي عن مكان آخر، لجأت إلى المسرح. ومثّلت في مطلع شبابي وكتبت وأنا في التاسعة عشرة مسرحية، نلت عليها الجائزة الأولى في مسابقة لوزارة الثقافة آنذاك، ولكن مسرح البلدة كان صغيراً، وضاق بي، فرحلت إلى دمشق، ووجدت نفسي مطالباً بأن أجعل الموهبة وسيلة عيش، فكتبت المقالة، ثم اكتشفت أننا في المقالة لا نجني من المال ما يسدّ الرمق، وألجأتني وسائل العيش لتفجير طاقتي الإبداعية، فكتبت الدراما التلفزيونية المجزية مالياً وقد عشت عقدين من الزمان في بحبوحة وأنا غير مقتنع بأن أنفق عمري وموهبتي في الدراما وحدها، وكنت أجد في نفسي ميلاً إلى الفكر أكثر من ميلي إلى الدراما، وقد وجدت أن المصالحة بين موهبتي الدرامية وبين انغماسي في الفكر لا تكون إلا عبر تثقيف الدراما،.
ولهذا كتبت أعمالاً درامية ذات صلة بالثقافة والتراث، منها سلسلة (ديوان العرب ـ طرفة بن العبد ـ النابغة الذبياني) وكتبت عن أكثر من مئة شخصية تراثية وعلمية، ثم انصرفت إلى البرامج التلفزيونية (الثقافية) إعداداً وتقديماً، وأحسب أن هذه المصالحة أعادت إليّ الطمأنينة، وفتحت لي أبواب العودة إلى عالم الفكر. وفي مطلع التسعينات، بدأت أكتب الدراما في أوقات الفراغ، وأشتغل في الفكر في أوقات العمل، ومع المسؤوليات الرسمية التي قمت بها، لم يكن الوقت يتيح لي أكثر من أن أكتب المقالة. وحين اشتغلت بالسياسة، كتبت المقالة السياسية، ولكني دائماً، أحنّ إلى المقالة الأدبية ولم أنقطع عن الدراما لأنني بطبيعتي روائي. تسكنني شخصيات رواياتي فلا أجد وقتاً لكتابتها روائياً، ولكنني أجسّدها على الشاشة عبر السيناريوهات.
ـ عندما تضيع منك الشخصية الروائية، أو الكتابة بشكل عام، هل هي ضريبة الضغوط والانشغالات؟
ـ حتى الآن، لم تضع مني الشخصيات الروائية، ما زلت أحبسها في داخلي، وأبحث عن وقت للإفراج عنها، بعض الشخصيات التي كتبت عنها ظلت في داخلي عشرين عاماً، مثلاً حين كتبت مسلسل (الشك)، كان بطل المسلسل قد ولد في داخلي وأنا في الصف السادس الابتدائي وكان عليّ أن أنتظر عشرين عاماً كي تنضج التجربة، وكذلك بطلة مسلسل (امرأة لا تعرف اليأس) فلقد عرفتها قبل عشرين عاماً من كتابة المسلسل، وكذلك كانت شخصية (عوف) في فيلم (المهد)، وشخصية (حسان الساجي) في مسلسل (اليوم الأخير).. لقد عرفت حسان من الستينات ولم أفرج عنه إلاّ في القرن الحادي والعشرين. وما تزال ذاكرتي تختزن العديد من الشخصيات الروائية، ومأساتنا أن العمر قصير، والفكر غزير، وساعات اليوم لا تكفي، وكثير من الوقت يضيع في تفاصيل الحياة.
ـ أرى بأن لك أسلوباً مميزاً في تعتيق الشخصيات : لا تفرج عنها إلا بعد عشرين عاماً، وكأنها تتطور في داخلك بطريقة عجيبة، ألا تتفق معي بأن بعض الشخصيات قد يطويها النسيان؟
ـ السبب في التأخر هو مشاغلي، والشخصيات التي تُنسى غير جديرة بالبقاء. هناك كثير من الشخصيات تمرّ عابرة، ولكن هناك شخصيات روائية تسكن الأعماق وتلحّ على الكاتب حتى يظهرها. ليست كل شخصية جديرة بأن تُحمل سنين طويلة، لكن هناك شخصيات إشكالية، والشخصية الإشكالية هي التي تصنع الرواية المهمة، وهي الشخصية القلقة، التي تحمل معها تساؤلات كونية، مثلاً أن تقف على حافة بين الحياة والموت، أو أن تحمل صخرة سيزيف ثانية، تقتبس جمرة من نار بروميثيوس، أو أن تحمل وزر أوديب.
هذه الإشكاليات الكبرى في الحياة والتي جسدها الأدب الكلاسيكي لاتزال تتوالد في أعماقنا لكنها تتجدد بأسئلتها مع تجدد الحياة، ويغلب عليها اليوم الاهتمام بالسياسة. إنها شخصيات تصلح لكل زمان ومكان عبر انتمائها لثوابت الحياة. مثلا : شخصية (المرقّش الأكبر) شغلتني طويلا منذ كنت طالباً في الجامعة، ولقد كتبت عن المرقش في الثمانينات، وما زال المرقش في داخلي يتجدد لأنه عانى أزمة سياسية كبرى، فضلا عن أزمته الوجودية، كان عليه أن يحمل السلاح ليقاتل أبناء عمومته. القصة تتكرر كلما حدثت حرب أهلية.
ـ ما هي آخر إنتاجاتك الإبداعية؟
ـ آخر ما أنتجت هو كتابة فيلم (المهد) وهو فيلم إماراتي يستلهم من التاريخ قصة غزو (أبرهة) للقبائل العربية في جنوب الجزيرة العربية، ولكنه ليس عملاً تاريخياً. هو استلهام فقط لهجومه على رمز الأمة (الكعبة)، ولكنني بالطبع لم أصل إلى الرمز لأن الحل جاء دينياً مع طير الأبابيل، وآخر ما كتبت (وجوه في الظلام) وهو مسلسل اجتماعي، سياسي معاصر وكذلك انتهيت مؤخراً من تأليف (اليوم الأخير) ونستعد لتصويره وهو من إنتاج شركة (الريف) في (أبوظبي) ويقع في مئة ساعة تلفزيونية، وفي هذا العام أيضاً، أصدرت نسخة كتابي (من طيوب الذاكرة) في القاهرة، وكتاب (وجهة نظر).
ـ هل هناك مفاجآت في دمشق على اعتبارها عاصمتنا الثقافية العربية في العام 2008؟
ـ نحن نستعد لإنجازات مهمة على الصعيد الثقافي، ونعتقد بأن برنامج الاحتفالية سيكون غنياً، سنعنى كثيراً بالمشاركات العربية والدولية، ولقد بدأنا بالاتصالات من الآن مع الدول العربية والأجنبية، ولقد ثبت الكثيرون منهم مشاركتهم.
ـ هل من جائزة خاصة ستكون مفاجأة من نوع ما بهذه المناسبة؟
ـ هناك عدة جوائز خاصة بالاحتفالية، وفي وزارة الثقافة بدأت الجوائز منذ الآن : جائزة (حنا مينة) للرواية، وجائزة (زكريا تامر) للقصة القصيرة، وجائزة (شكري فيصل) للنقد. وستكون احتفالياتنا في 2007 بشكل دوري وفي كل المحافظات، نستعد الآن لاحتفالية ضخمة لحنا مينة، وأخرى لفارس زرزور وثالثة لمحمد الفراتي، وستكون هناك أكثر من ثلاثين شخصية مكرمة في عام 2007، بالإضافة لكوننا احتفلنا بالكثيرين في عام 2006، ولعل أبرزها كانت احتفاليتنا بنزار قباني وحسيب كيالي وسلمى الحفار الكزبري وحسن حميد ونيقولا زيادة وغيرهم كثير.
ـ هل من تفكير في أن تساهم دمشق خارج دمشق كعاصمة للثقافة؟ ـ في احتفالية دمشق، هناك برنامج مهم اسمه (القوافل الثقافية)، ستنطلق من دمشق قوافل ثقافية إلى مختلف العواصم، وستستقبل دمشق قوافل ثقافية من العواصم، لأنه عبر هذا التبادل نجدد في الذاكرة انطلاق المثقفين من الشام وإليها، وأهم ما سمعنا به ربما سيكون رحلة (عبد الرحمن الداخل) إلى أوروبا، ولقد مهدنا لذلك عبر إقامتنا هذا العام ندوة (أمويّو دمشق وقرطبة)، ونعتقد أن هذا الاختيار سيعبّر عن رغبة عميقة في استمرار التواصل بين ثقافتنا والثقافة الغربية. الثقافة العربية تواجه امتحاناً صعباً وستنجح فيه لأنها حققت استجابة ضخمة أمام التحدي، فحين كان الآخرون يطلقون شعار (حرب الحضارات والثقافات)، أدرك المثقف العربي أنه مهدد بوجوده، فأطلق كوامن قدراته.
صحيح أننا لم ننتج التكنولوجيا، ونحتاج إلى مزيد من العمل لإطلاق ثقافتنا العربية إلا أننا نوظفها بشكلها المناسب، لاسيما مع انتباه المسؤولين عن الثقافة إلى أهمية المعلوماتية، فكل هذا يبشر بالخير. ولقد كان أمراً موفقاً أن يختار وزراء الثقافة العرب في مؤتمرهم في مسقط عنواناً للقاء (عصر المعلومات ). إن وسائل الاتصال الحديثة أصبحت جسوراً للتواصل بين ثقافات العالم، ولذلك خسر دعاة الصراع، وربح دعاة الحوار.
ـ ما رأيك بالمشهد الثقافي العربي؟
ـ أعتقد أن هناك نهضة ثقافية عربية حيوية في إصدار الكتب. وعلى صعيد المسرح هناك عودة قوية لحضور المسرح في حياتنا، كما أن اللقاءات الثقافية بين المبدعين باتت سهلة وقريبة من خلال المهرجانات الكثيرة في العواصم والمدن العربية، فما يكاد ينتهي مهرجان حتى يبدأ آخر. وعبْر هذا التواصل تتحقق وحدة ثقافية عربية. كذلك كان العقد الثقافي العربي مناسبة ممتازة للتنشيط الثقافي، وهناك تداولٌ دوريّ لعواصم الثقافة العربية والإسلامية. نحن في هذا العام نحتفل بحلب عاصمة للثقافة الإسلامية ونستعد للاحتفال بدمشق عاصمة للثقافة العربية، ستنتهي هذا العام احتفالية مسقط عاصمة للثقافة العربية، وستبدأ احتفالية طرابلس عاصمة للثقافة الإسلامية، وستكون الجزائر عاصمة للثقافة العربية. هذا النوع من الحراك الثقافي، ومن الحيوية الثقافية، يبشر بنهضة ثقافية عربية.
ـ هل على الثقافة أن تكون مسيّسة أم العكس؟
ـ مهمة الثقافة أن ترتقي بالسياسة. لا أستطيع أن أقرّ لرجل بأنه سياسي ما لم يكن مثقفاً، ولكنني أستطيع أن أجد مثقفاً غير سياسي، كثير من المثقفين يجدون أبواب الثقافة الواسعة فيختارون منها جنساً أدبياً، أو نوعاً فنياً، يتعمقون فيه، ويشغلهم عن السياسة بمعناها الاصطلاحي. بوسع الشاعر أن يكتب قصائد ذات صلة بالكون العام، ولا يمنعه أحد من أن يكتب شعراً سياسياً، ولكن لا يستطيع السياسي ـ خصوصاً في هذا العصر ـ أن يؤدي مهمته إن لم يكن مثقفاً.
مصطلح الثقافة فضفاض جداً، في كثير من الأحيان، نضطر إلى اختصاره، في أن يكون حسب السياسي أن يعرف مصدر المعلومات. في تاريخنا العربي القديم، تمجيد لذي الوزارتين، ولقد قدمت لنا حضارتنا نماذج راقية من المثقفين السياسيين، لعل أهمهم على الإطلاق (ابن خلدون) وهو رجل دولة وكاتب عام، وكذلك (ابن زيدون) هو شاعر ووزير. وفي العصر الحديث (محمود سامي البارودي) رائد نهضة الشعر. وفي هذا القرن العشرين والحادي والعشرين كثرٌ الذين اشتغلوا في الميدانين : السياسي والثقافي.
حوار: غالية خوجة
