حالة الانسجام والتوافق، بين الأثر الفني المجسم والمسطح ومحيطه، لا يقتصر على الشكل والمضمون والحجم فقط، بل يجب أن تطول المادة والخامة واللون، سواء تلك الموجودة في الأعمال الفنية، أم في المكان المحيط المقترح لاحتضانها.
فاللوحة المنفذة من الألوان المائية الشفيفة، تحتاج لمكان بسيط هادئ، يبرز ألوانها الرقيقة ويؤكدها، خلال الألوان الزيتية القوية، أو ألوان الاكريليك. ولوحة انطباعية، غنية بالتمتعات اللونية الواهية، تختلف عن لوحة وحشية، حادة وصريحة الألوان، قوية الخطوط. كذلك الأمر بالنسبة للمحفورة المطبوعة، والملصق، والصورة الضوئية.
الأمر نفسه ينسحب على المنحوتة والمشغولة اليدوية فالتمثال المنفذ من البرونز غير التمثال المصنوع من الرخام أو الحجر أو الإسمنت أو الخشب أو البوليستر. فلكل خامة ومادة، متطلباتها وشروطها، ولكل منحوتة مستلزمات عرض مناسبة.
فتمثال البرونز يتوافق وينسجم مع الرخام أكثر من انسجامه مع الخشب، وتمثال الخشب أكثر توافقاً مع الأشياء المنفذة من الخشب أو الحديد. والفراغ الذي تحتاجه منحوتة مصمطة وثقيلة، يختلف عما تحتاجه المنحوتة الرشيقة المليئة بالفراغات.
فالمنحوتة تتقزم قيمتها الفنية والتعبيرية، إن لم تحصل على حاجتها من الفراغ المحيط، وتوضح فوق القاعدة القادرة على إبرازها والانسجام معها. كذلك الأمر مع اللوحة والمحفورة والصورة الضوئية والملصق والسجادة الجدارية، وغير ذلك من المعلقات التي تأخذ طريقها إلى جدار، أو زاوية، أو باب، أو ركن مكتبة، أو طاولة، أو درج، أو حاجز تزيني.
بمعنى آخر، يجب دراسة الأثر الفني كمضمون وحجم وشكل، ومن ثم البحث له عن المكان المناسب، بين عناصر ومقومات الديكور، بحيث يتول هذا الأثر إلى جزء مكمل ومنسجم معه، ومع الوظيفة المناطة بالمكان الحاضن له، استعمالية خدمية كانت، أم تعبيرية وجمالية وتزينية،
بمعنى علينا ألا نقحم العمل الفني المسطح أو المجسم (بما في ذلك الكتلة المعمارية المختلفة المهام والوظائف) في مكان لا يتوافق معه، وينسجم وعناصره ومفرداته، وإلا بدا هذا العمل شاذاً وغريباً، والعكس صحيح أيضاً، إذ أن مثل هذا الوجود الغريب والشاذ، يمنح المكان نفسه، الخاصية نفسها، أي يسبغ عليه نوعاً من النفور، والفوضى، والوقع الشاذ في العين والإحساس.
على هذا الأساس، علينا الوقوف مطولاً، عند أية إضافة فنية أو معمارية، نلحقها بمكان ما، في منازلنا، أو أمكنة عملنا، أو شوارعنا أو أحيائنا، ودراسة خصائص هذه الإضافة، ومقوماتها، ومدى توافقها (أو عدم توافقها) مع مكانها، لكي لا نسيء إلى قيمتها الفنية والتقانية أولاً، وإلى قيم وخصائص المكان المقترح لها.
عدم الوقوف المتأمل، الواعي، العميق، عند مثل هذه الإضافات، قادتنا إلى حالة الفوضى، والتلفيق، والمظهر الهجين، والغريب، والشاذ، الذي نراه في بيوتنا ومدننا وبلداتنا وقرانا.. وحتى في أشكال وتصاميم منتجاتنا الصناعية والإعلامية والثقافية المختلفة.