قبل ثلاث سنوات خرجت مريم من بيتها البعيد في منطقة نائية وجاءت لدبي بحثاً عن عمل..في البداية شدها البريق الخاطف للعمارات والأبراج العالية التي تتلون في الليل وترسم مشهداً ساحراً للمدينة الحالمة الذاهبة بشوق جارف إلى المستقبل.. تخيلت مريم نفسها عروسا مثل دبي يحوم حولها الآلاف من العشاق من كل البلدان وهي تمشي بينهم بفستانها الملون ولا تنظر إلا إلى البعيد البعيد.

بعد ثلاثة ايام تم قبولها في وظيفة متواضعة في شركة تأمين، وشيئا فشيئا تلاشت أحلامها الملونة وصارت تخاف من مناظر الأبراج وظلالها العملاقة التي تغطي نصف الأرض وتحجب الشمس والهواء..كانت تظن ان لدبي حياتين وعالمين (داخلي وخارجي)..حياة فارهة وحلوة داخل الأبراج والمكاتب العالمية والزجاج الأخضر والأزرق العالي، وحياة أخرى خارجية لكنها أيضا معلبة بزجاج السيارات الفارهة والليموزين حيث لا يوجد متسع في هذين العالمين لأحلام موظفة بسيطة في شركة جشعة.

بعد ثلاثة أسابيع اكتشفت مريم ان البحر في دبي يغني ويرقص ويداعب الشمس ويضحك، وان النوارس تحلق أعلى من الأبراج والغيم، ومع غروب كل شمس تعزف الطبيعة أغنية أرجوانية بلحن ازرق وكلمات بيضاء، وان القيمة الحقيقية لهذا المشهد الساحر هي أغنى وألذ من كل متع الحياة المخملية، ومع الأيام أصبح البحر صديقها الأول والموجه وسادتها والمدى غرفتها الواسعة.

بعد ثلاثة أشهر تعرفت مريم على احمد الموظف البسيط عاشق السينما والكتابة والجمال. جلس الاثنان وحيدين بانتظار الباص، ثم بدأ الكلام بالنحنحة والابتسامة الخجولة ودارت الأفكار والكلمات.. سألته عن الأشياء التي يحبها فقال: أنت تسكنين في القصيدة قبل ان تكتب وأنا انتظرتك هنا منذ دهور.. وكلاهما تمنى لو ان الباص يتأخر لساعة او لساعتين او حتى للأبد.

بعد ثلاث سنوات، كان احمد قد اختفى مثل بقية الأحلام.. وزميلاتها في العمل تزوجن وفضلن حياة المنزل على شقاء الوظائف الجافة، ومريم لا تزال على كرسيها، تعيش زمنها مثل روتين عقارب الساعة وهي صامتة قرب زجاج النافذة وقد تعلمت من احمد شيئا واحدا هو الكتابة.

انا روزنامة على الحائط..كانت تقول

كل يوم تنقلب صفحة من حياتي وتذبل

الماضي زال وولى

والمستقبل بعيد وغامض

وانا محبوسة في اللحظة المتلاشية

كل كلماتي صمت

كل صمتي لغات

وقلبي اناء لمليون أمنية

akhozam@yahoo.com