أكد المشاركون بندوة «من القصة إلى الشاشة.. المعوقات والسلبيات» أن دخول رجال الأعمال إلى مجال الإنتاج الفني سواء التلفزيوني أو السينمائي أفسد الذوق العام وساهم بفاعلية في إحداث تراجع واضح في مستوى المواد الفنية المقدمة درامياً، وساهم أيضا في ايجاد جو غير صحي للإبداع.
وأوضح المشاركون بالندوة التي عقدت مؤخراً بنادي القصة بالقاهرة أن المعوقات التي تواجه صناعة السينما باتت متوحشة، ومواجهتها أمر يقتضي التعاطف بين القطاعين الخاص والحكومي، وذلك سعياً لإعادة الريادة إلى السينما المصرية،
وذلك بتقديم الجيد من الأعمال الروائية والقصصية والابتعاد عن تلك الأعمال التافهة، التي أفسدت الذوق العام، ومن ثم أفقدت الشباب هويتهم الثقافية العربية الخالصة، ودفعتهم للبحث عن روافد أخرى لاكتساب الثقافة وهذا ما يمثل مخاطرة كبيرة عليهم.
وطالب المشاركون بالندوة كبار منتجي الدراما في العالم العربي بضرورة تحري الدقة في اختيار الأعمال المقدمة سواء سينمائيا أو تلفزيونيا، مؤكدين على أهمية الابتعاد عن تلك السيناريوهات، التي تفصل بالمقاس لتناسب النجم الذي سيقدمه. بداية أكد الناقد د. جمال التلاوي أن هناك العديد من المعوقات، التي تواجه الأعمال الدرامية المأخوذة عن نص أدبي سواء كانت تلفزيونية أو سينمائية أو إنتاج الفيديو،
موضحاً أن هذه الإشكالية تواجه الأدب الغربي مثلما تواجه الأدب العربي، وأن هذه الظروف الصعبة كانت الدافع وراء دعوة أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ للكتاب الجدد منذ أكثر من ثلاثين عاما مضت إلى الاهتمام بالشاشة التي سوف يكون لها المستقبل،
وكذلك دعوة الناقد الراحل د. عبدالقادر القط الذي اهتم منذ منتصف الثمانينات بالنصوص الأدبية، التي تم تحويلها إلى أعمال درامية سواء في التلفزيون أو السينما المصرية، والتي كتب عنها مجموعة من المتابعات التي ظهرت فيما بعد في كتاب وكانت بمثابة تنبوءات لما سيكون عليه المستقبل.
وشدد د. التلاوي خلال كلمته على ضرورة إعادة النظر في هذه القضية، وخاصة في ظل المشكلات الاقتصادية والسياسية والأمية الجامعية، التي يعاني منها كل من المجتمع المصري والعربي عامة، ومن ثم أصبحت الأعمال الدرامية التلفزيونية خاصة، هي التي تشكل الأجيال الجديدة، وذلك على خلاف الماضي حيث كانت القراءة هي الرافد الثقافي الأول في مصر والعالم العربي.
تجارب رائدة
وأشار د. جمال إلى أن هناك اهتماماً متزايدا خلال السنوات الأخيرة بالقصة أو النص الأدبي المكتوب للسينما سواء من قبل المهتمين بهذا المجال أو من جهة نقاد الأدب عموما،
بل أصبحت هذه النصوص مثار اهتمام دوائر الدراسات الأدبية والنقدية في أوروبا والجامعات الأميركية تحديداً، تلك الدراسات التي يطلق عليها دراسات ما بعد الحداثة، ومن ثم بات السيناريو جنسا أدبيا قائما بذاته وليس وسيطا، كما يتصور البعض، لذلك يمكن قراءة النص الأدبي مباشرة من دون أن يتحول إلى رواية سينمائية، مستشهدا في ذلك بالتجربة المتميزة للكاتب «آلان رونجريه» أحد رواد الرواية الجديدة في فرنسا في عقد الستينات والسبعينات،
والذي كتب ما يسمى بالرواية السينمائية، وفي مصر كانت هناك تجربة الكاتب إحسان عبدالقدوس، الذي كتب رواية «بعيداً عن الأرض»، والتي أعدت خصيصا للعرض السينمائي، ثم تم نشرها فيما بعد في رواية مقروءة ويواصل التلاوي:
ربما هذا ما دفع الكاتب أسامة أنور عكاشة إلى نشر مسلسله «ليالي الحلمية» روائيا بعد النجاح الساحق، الذي حققه درامياً، وإن كانت التجربة هنا تختلف عما يحاول مناظرو الغرب إثباته، فهذه الرواية قد تم نشرها بعد عرض المسلسل ونجاحه، والذي لا ينسب بالتالي إلى الكاتب وحده، وإنما إلى جميع المشاركين في العمل، بينما في الغرب يقومون بكتابة السيناريو ونشره، وبعدها يأتي من يحوله للعرض التلفزيوني أو السينمائي.
عبء ثقيل
وقال الكاتب الروائي نبيل عبدالحميد: بات الكاتب الروائي يعاني من مشكلات عديدة وتجده دائما حاملاً أثقالا كبيرة، خاصة بعد أن تحولت عملية القراءة إلى عبء ثقيل على المواطن المصري والعربي بصفة عامة، وهذا بدوره أدى إلى تراجع عملية القراءة وزيادة الإقبال على الأعمال الفنية الدرامية،
التي تقدم سواء من خلال شاشة التلفزيون أو السينما، مستشهدا بتجربته «غزو الأرانب» هذه القصة التي مضى على نشرها نحو خمس سنوات ولم تلق أي اهتمام من قبل النقاد حتى تم تحويلها إلى فيلم تلفزيوني ومن بعدها بدأت الاتصالات تنهال عليه.
وأبدى نبيل استياءه من ضآلة أجور الكتاب، والتي أصبحت لا تضاهي أجر الكومبارس في السينما وخاصة بعد تدخل دول النفط في مجال الإنتاج الدرامي المصري، والذي أدى إلى اقتصار الطلب فيها على عدد محدود من الفنانين كنور الشريف ويحيى الفخراني ويسرا وليلى علوي والراقصة فيفي عبده، والتي يتم اختطاف أعمالها الدرامية أيا كان الكاتب أو السيناريست القائم بالعمل،
وذلك على عكس نصوص كبار الأدباء، وأنه نتج عن ذلك ارتفاع أجور هؤلاء الفنانين، ومن ثم أصبح المسلسل الذي كان يتكلف نحو 400 ألف جنيه مصري بكل أبطاله وكوادره الفنية، يتكلف أرقاما فلكية، وهو ما دفع بعض المنتجين تحت ضغط السوق،
وحتى يتمكنوا من دفع أجر النجم أو النجمة المطلوبة في القنوات الفضائية إلى التوفير في الأدوات الفنية المستخدمة من التصوير، الملابس، كذلك في أجور كتاب السيناريو الذين يتولون تفصيل الدور لهذا النجم أو النجمة. وأضاف عبدالحميد: تغير الأحوال وغلبة المادية والرغبة في حصد الأرباح على السوق الفنية جعل النص الأدبي الأصلي يأتي في ذيل القائمة، وذلك يعد نوعا من الظلم والإجحاف للكاتب، الذي قد يستغرق إعداد العمل الروائي الواحد منه عدة سنوات، و مع ذلك فإن ما يحصل عليه من أجر لا يوازي ما بذله من جهد ووقت.
رقابة غير سوية
وأكد د. محمود دهموش المنتج الدرامي أن تجربته في هذا المجال بدأت منذ نحو اثني عشر عاما، حيث كان أساس اختيار العمل الدرامي النص الجيد، ثم السيناريست المحترف الذي يقوم بالمعالجة الفنية للعمل سواء كان قصة أو رواية أو نصا مسرحيا، وتحويلها إلى عمل فني يصلح للعرض سواء التلفزيوني أو السينمائي، ومن بعدها يأتي اختيار البطل أو البطلة المناسبة للعمل سنا وشكلا وموضوعاً وموهبة،
ولذا كانت معظم أعمال تلك الفترة في غاية القوة والتميز، حيث تم عرض معظم أعمال كبار الكتاب ومنهم قصص نجيب محفوظ، إحسان عبدالقدوس، أمين يوسف غراب، محمد عبدالحليم عبدالله وجميعها لاقت نجاحاً منقطع النظير! وأشار د. دهموش إلى أن هذه التجربة أفرزت قائمة كبيرة من الأعمال الجادة والمتميزة ومنها على سبيل المثال، الحسن البصري والليث بن سعد والإمام الترمذي، موضحاً أنه قام مؤخرا بشراء سيناريو مسلسل «محمد علي»،
وكذلك سيناريو مسلسل «بيرم التونسي» من كاتبهما محفوظ عبدالرحمن، تلك الأعمال التي ينتظر أن يتم تصويرها ما بين مصر وتونس، رغم صعوبة تنفيذ هذه الأعمال حالياً بسبب موجة الأفلام والمسلسلات الهابطة على نحو اللمبي وعوكل،
فضلا عن ارتفاع تكلفة المسلسلات الجادة سواء الدينية أو التاريخية، والتي كان من المفترض أن تقوم الدولة المتمثلة في صوت القاهرة وقطاع الإنتاج بتمويل وإنتاج هذه المسلسلات منتقداً قيام الدولة بإنتاج مسلسل «ريا وسكينة»، والذي بلغت تكلفته نحو سبعة ملايين جنيه مصري مبديا تساؤله حول جدوى وقيمة مثل هذا المسلسل وما يبثه من قيم وأفكار تستحق أن يعاد إنتاجه عدة مرات سواء مسلسل أو فيلم أو مسرحية.
وأوضح د. محمود أن المشكلات، التي يعاني منها المنتج بعد اختياره للنص تتمثل في رحلته مع الرقابة التي تقوم برفض أي نص أدبي يتعارض مع أمن الدولة، أو يتعرض للأديان أو ذم أحد أعضاء مجلس الثورة، وإنه في حالة الموافقة على النص يتم رفعه إلى لجنة عليا للقراءة، ومعظمهم من غير المتخصصين في حقل الإبداع الفني، مضيفاً أنه على أتم الاستعداد لشراء أي كم من النصوص الأدبية القوية والمتميزة في مقابل مادي معقول، وذلك إسهاما منه في الارتقاء بذوق المشاهد العام وحتى تعود للدراما والسينما المصرية أمجادها السابقة.
خيال الظل
وفي إطار استعراض لتاريخ السينما قال المخرج محمد طيرة: البدايات الأولى للسينما كانت الأعمال منها أشبه بخيال الظل أو صندوق الدنيا، وذلك جعل الكاميرا تقوم بتسجيل ما يحدث على أرض الواقع سواء في المنزل أو الشارع، وكان التصوير يتم كله في مكان واحد دون توقف وحتى انتهاء الحدث، والمرحلة التالية قام بها المخرج الفرنسي «لومييه»،
والذي بدأت معه فكرة انتقال الكاميرا من مكان إلى آخر، حيث كان يتم تقسيم الحادثة وتصويرها في أجزاء وأماكن متفرقة وهو ما يسمى «بالفصول»، ومن بعده جاءت المرحلة التاريخية المهمة مع المخرج الأميركي «أدون بورتر»، والذي استطاع صناعة ما يسمى بأدوات السينما فيما يسمى «باللقطة»،
فأصبحت قدرته على التحكم أكثر في لغة السينما وأساسها الكاميرا. ثم بدأت المرحلة الواقعية في السينما الإيطالية - والكلام لطيرة - حيث يقوم المخرج بالنقل عن الواقع وتصويره سينمائيا، كما هو دون التدخل فيه، حتى بدأت السينما الفرنسية تعبر عن وجهة النظر الفنية للمخرج في النص الأدبي المكتوب، فبدأ يظهر ما يسمى «الإسكربت» أو النص الأدبي الذي ظهر بصورة متكاملة في الولايات المتحدة الأميركية،
نتيجة النقلة الحضارية والتقدم المذهل في التقنيات الحديثة، كما بدأت دوائر الإنتاج السينمائية الأميركية ثم الأوروبية في صناعة نجم الشباك الذي تقوم عليه الدعاية الأساسية للفيلم لضمان تحقيق الأرباح الطائلة لها.
إلا أنه وبمرور الوقت أصبح الاعتماد على هؤلاء النجوم لا يحقق الأرباح المطلوبة، فبدأ الصراع ما بين الدول الأوروبية والأميركية لكسر احتكار نجم الشباك فيما سمي بالموجة الجديدة، التي ظهرت في أوروبا وخاصة فرنسا على يد مجموعة من النقاد والكتاب الفرنسيين أشهرهم «لوبار»، «تريجو» الذين قاموا بنقد السينما الأميركية واعتمادها على النجم الأوحد وليس على الحدث المراد تقديمه،
وهو ما أدى بالتالي إلى هبوط مستوى النصوص الأدبية المقدمة في السينما، ولذا بدأت فرنسا بصناعة أفلام تعتمد على بطولة رجل عادي، فاوجدوا ما يسمى بإبداعية المبدع السينمائي، الذي نجح في كسر كل القواعد التي قامت عليها السينما الأميركية، وقد بدأت السينما تسعى إلى رفع مستوى النصوص الأدبية بالاعتماد على أشهر الأعمال الروائية والإبداعية ذات المضمون، والتي تتضمن الشخصيات والوقائع المتكاملة وتتابع الأحداث، وذلك على نحو ما قامت به السينما المصرية في فترة الستينات!
كوادر فنية
وأشار إلى أن التلفزيون المصري، الذي اعتمد منذ بداياته على ايجاد كوادره الفنية من خلال المسرح الذي كانت عروضه تقام بأسعار زهيدة وتقديمه أشهر المسرحيات المأخوذة عن كتاب المسرح، حيث كان يتم تصويرها تلفزيونياً،
وهو ما أدى إلى شهرة المشاركين في هذه الأعمال، والذين بدأ التلفزيون في الاعتماد عليهم دراميا فيما سمي «بنجوم التلفزيون» في الفترة التي كانت الدولة تقوم فيها بتمويل وإنتاج هذه الأعمال حتى الثمانينات، ومن ثم كانت هناك منافسة شرسة وقوية على مجموعة المسلسلات والسهرات الدرامية، التي كانت تسعى الدولة إلى تقديمها من خلال الأعمال الدرامية الهادفة وذلك لخدمة الجماهير وليس بهدف توزيع النص الأدبي!
القاهرة ـ نهال قاسم: