مرة أخرى تثبت الشارقة ومعها إمارات الدولة الأخرى أنها حاضرة بفعالية في الحراك الثقافي العربي، وأنها قادرة على تأسيس مفهوم جديد للثقافة بعيد كل البعد عن تهمة الاستهلاكية والبعد التجاري، فبعد عديد الجوائز التي قدمت للمبدع والثقافة العربية، من جائزة العويس إلى جائزة الإبداع العربي وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وغيرها من الجوائز الأخرى والمسابقات الأدبية، يأتي الإعلان الأخير في معرض الشارقة الدولي للكتاب، عن فكرة إنشاء اتحاد عربي للنشر الإلكتروني تحتضن الشارقة فيه المقر والأمانة العامة، ومن قبله أعرب المشاركون في ندوة النقد والإبداع التي نظمها المركز العربي للفنون، عن رغبتهم أيضاً في تأسيس اتحاد للنقاد العرب.
ما يحدث يبهج القلب ويؤكد مرة أخرى أن الثقافة بخير، وأن المبدع العربي ما زال قادراً على العطاء والتفكير بنفس وحدوي أصيل بعيد عن الإقليمية والنظرة الضيقة، فالدعوة إلى اتحاد عربي للنشر الإلكتروني فكرة أصيلة، خلاّقة، نحتاج إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى، ونحن نعيش في عصر أغلب من فيه يحاول التحامل علينا، وعلى كل ما نحمله من أرث ثقافي وحضاري، نتحمل مسؤولية عدم التعريف به وتقديمه بالطريقة الصحيحة، حتى أصبح (العربي) مفردة لغوية مرادفة لكل ما هو متخلف، بعيد عن الركب الحضاري، وأمست المطارات الأجنبية أقفاصاً وسجوناً لرغباتنا في الوصول إلى الآخر.
ومع أن البعض لم يخف مخاوفه في أن يكون الاتحاد المقبل مجرد شعار جميل لا أكثر، أو تجمع تقليدي لا حول ولا قوة له، كباقي الاتحادات العربية الأخرى.. إلا أن الرغبة الصادقة التي جمعت ثلة من المتخصصين ورواد النشر الإلكتروني من أقطار عربية شتى، وقد حملوا همومهم الواقعية ومشاكلهم وطموحاتهم، يؤكد جدوى وإمكانية قيام اتحاد عربي للنشر الإلكتروني قادر على الوصول بالمنتجات الرقمية من: كتب وأشرطة صوتية وأقراص ليزرية وبرامج علمية وفكرية متخصصة إلى المواطن العربي أولاً، قبل التفكير بالقفز إلى الغرب والارتماء في أحضان ألاعيب شركاته، التي تعلن كل عام عن أرقام أرباحها الخيالية من جيوبنا المتهرئة، في وقت تذوي فيه كل الجهود العربية الفردية والجماعية، في تقديم منتج رقمي قد يضاهي المنتج الغربي، الذي لا يخلو من عيوب وأخطاء مقصودة أو غير مقصودة.
لا شك أن الطريق طويل للوصول إلى منتج رقمي عربي متكامل، لكن لا بأس من شرف المحاولة على الأقل، ولدينا سجل الشركات العربية الرائدة، والتي ستعود بالتأكيد لنشاطها في حال وجدت البيئة المناسبة والحماية الفكرية والمعنوية، ولا بأس أن نقدم الأفكار تلو الأفكار حتى تتحول إلى واقع ملموس، وإلى أنشطة تعيد لنا بعضاً من أمجادنا الفكرية التليدة..
فربما توقظ فينا الجوائز والمسابقات الجادة، الرغبة في تقديم ما في داخلنا من إبداع وفكر، وربما يكون هذا الاتحاد العربي خطوة أولى حقيقة نحو النشر العربي المتكامل، المجتمع على الهم الإبداعي الواحد.
كم هي جميلة فكرة الاتحاد ونحن نحلم بهذا الأمل، كأحلامنا البكر التي لا تنتهي ما دمنا قادرين على العطاء الإنساني المتناهي، فمتى يتحقق حلمنا الكبير..؟!
alomawi@albayan.ae