ألقى الدكتور خالد سليمان الفهداوي ـ المدير التنفيذي لمركز عبد المحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية مساء أول من أمس، محاضرة بعنوان فقه الواقع والمستقبل ينطلق من عاصمة الثقافة العربية «الشارقة» ضمن الفعاليات المصاحبة لمعرض الكتاب، قدم له الدكتور يوسف عبدابي، موضحاً دور المركز التنويري في الشارقة ومساهماته الدائمة في إغناء الفكر الإسلامي، ومشاركاته في الفعاليات الثقافية والفكرية في الشارقة.

من جهته عرف الدكتور الفهداوي الحضور بداية بالرجل الذي يحمل المركز اسمه، وهو الأمير عبدالمحسن بن جلوي آل سعود، رحمه الله، وعرف بالرئيس العام للمركز، الأميرة الدكتورة سارة بنت عبدالمحسن بن جلوي آل سعود، ومن ثم تحدث عن الرؤية التأصيلية للمركز، وعن اهتمامه بفقه الواقع والمستقبل، مبيناً أن الإسلام العظيم جاء ليعالج الواقع ويقوده نحو الخير، وكان الكاتب الكريم يقود هذا الواقع، إصلاحاً وتنمية وبناء، فقد كان القرآن الكريم ينزل على حسب الحوادث كما جاء في محكم الكتاب: « وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً» وفقه الواقع هو الذي ميَّز بين مرحلة الصبر «صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة» وبين الدعوة العالمية «اسلم تسلم» في مراسلة الملوك والرؤساء.

وداعي فقه الواقع هو الذي دفع سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه لقتال مانعي الزكاة تعزيزاً لهيبة الدولة وحماية لاقتصاد الأمة، وهكذا كان فقه سيدنا عمر رضي الله عنه عندما أوقف حد السرقة في عام الرمادة وإيقاف إعطاء سهم المؤلفة قلوبهم، وذلك لأن واقعاً جديداً تحقق آنذاك.

وهكذا كان فقه الواقع مُلجأ للخليفة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه حين أمر بجمع الحديث لما اشتدت حركة الوضع في حديث الرسول الكريم وفقه الواقع هو الذي حرك إمام دار الهجرة، الإمام مالك بن أنس رحمه الله حين رفض طلب المنصور بتعميم كتابة الموطأ على أمصار الأمة الإسلامية ليكون منهاجاً لها وحده وكان سبب الرفض أن الصحابة الكرام قد توزعوا في الأمصار وكل يحمل بعضاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفض قول واحد على كل الأمصار مع اختلاف الواقع فيه تعسير وشديد وتضييق واسع، والقاعدة الشرعية تقول: «إذا ضاق الأمر اتسع»، وكذلك : «أينما كانت المصلحة فثم شرع الله» فالمصالح ثلاث: معتبرة، ملغاة، ومرسلة، والثالثة يدور عليها باب الاجتهاد، ومن ذلك قول الإمام ابن تيمية رحمه الله: «إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وانها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما» وهذا أساس في تأصيل فقه الواقع.

وفقه الواقع هو الذي حرك الإمام الشافعي رحمه الله لتدوين كتابة «الرسالة» وهي دستور أصول الفقه وذلك حماية للاجتهاد من دخول الدخلاء أو السفهاء، كما قال الشافعي قولان القديم والجديد، الأول كان في بغداد والثاني في مصر بعد أن هاجر إليها، وكل ذلك ليس تبديلاً في الدين وإنما لأن هناك واقعاً جديداً استقر فيه والثاني في مصر بعد أن هاجر إليها، وكل ذلك ليس تبديلاً في الدين وإنما لأن هناك واقعاً جديداً استقر فيه الإمام الشافعي رحمه الله.

هذا هو المحتوى الفكري والتأصيل المنهجي لرسالة مركز الأمير عبدالمحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية، فهو مؤسسة تبصر ما يجري في العالم الإنساني بشكل عام وما يجري في العالم الإسلامي بشكل خاص بل وترصده وتحلله، وسط غوغائية الفكر وسطحيته وفي أجواء الصراع الحضاري والديني والقومي والمذهبي المؤدي إلى ذهاب القوة وتعطيل عجلة التنمية والإبداع وإفراغ أهم ثروة وهي الثروة البشرية من محتواها، وفي عالم تربكه شبهات وتخرصات المتخرصين تجاه أهم الشخصيات في العالم الإنساني وهي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وبناءً على واقع الأمة الإسلامية من عدم وضوح الرؤية وعدم تحديد وارتباك واضح في الآليات والمشاريع التي تمكن لرؤية واقعية مُبصرة، فقد كانت الحاجة لوجود مؤسسة تعنى برصد الواقع الفكري والعلمي والثقافي إقليمياً وعالمياً وتشخيص علله ومشاكله وخلله ومحاولة إنزال أصول الإسلام عليه عبر اجتهاد أصولي منضبط من علماء الأمة، وذلك لإنتاج فقه يعالج الواقع ويستشرف المستقبل، فيادة للمسلمين نحو منهاج فكري متوازن يؤلف بين قلوبهم وعقولهم لصياغة خطاب حضاري مُتماسك يساهم في إنقاذ الأمة الإسلامية من نكوصها الحضاري وضياع هويتها الإسلامية وتخلفها العلمي وقيادة لها نحو الاستخلاف والريادة العالمية، وذلك باعتبار أن الإسلام هو دين المستقبل «أليس الله بكاف عبده».

ورغبة في خدمة الإسلام وارتقاء الأمة وتفعيل دورها في البناء الحضاري كانت فكرة إنشاء مؤسسة علمية مستقلة، غير هادفة للربح تعمل على تحصين الهوية الإسلامية الجامعة لتتشكل الأجيال المقبلة راسخة الإيمان منتمية إلى دينها، واضحة العقيدة، جادة الحركة.

وأضاف د. الفهداوي: ولإنجاز كل ذلك كان مركز الأمير عبدالمحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية برئاسة الأميرة أ.د. سارة بنت عبدالمحسن بن جلوي آل سعود حفظها الله ورعاها.

ولأن فقه الواقع هو أساس العمل «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده»، وكان دعاء موسى عليه السلام «رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي»، وجاء الكتاب الكريم يبين نفرة العلماء للجهاد فجعل نفرتهم إلى تحصيل العلم وتبصرة الأمة «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون».

والفقه في الإصطلاح هو: معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية وهو في اللغة يعني الفهم. وقد نعى الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود عهداً يأتي بعده وعلامته أنه كثير الخطباء قليل الفقهاء، بينما كان عهد النبي يتميز بقلة الخطباء وكثرة الفقهاء.

إن القرآن الكريم طالما تحدث عن الواقع فقال جَلّ شأنه «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» وكان استغراب المشركين كبيراً بسبب اندماج الأنبياء بالمجتمع «ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق» وقال الرسول الكريم «خيركم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم».

لقد أسس الرسول الكريم السوق في المدينة بعد الهجرة إليها وأمر بإنجاز إحصاء سكاني، وأمر أبي بن كعب بتعلم لغة اليهود «العبرية» كما قال: من يحفر بئر رومة وله الجنة. فحفرها سيدنا عثمان رحمه الله، فكان ذلك تحريراً للمسلمين من ابتزازهم بالثروة المائية التي يسيطر عليها اليهود، كما عقد وثيقة المدينة التي هي عهد المواطنة، وهذه الأفعال النبوية الكريمة بمجملها تحرير للمسلمين واستجابة للتحديات التي يمليها عليهم الواقع.

ان فقه الواقع يوجب استعداد واحترام الرأي الآخر، قال ابن تيمية رحمه الله: «واما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا، لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة».

واستعرض الدكتور الفهداوي المشاريع التي أنجزها المركز، وأشار إلى المشروعات المستقبلية التي يسعى لإنجازها مع توضيح وتعريف بجائزة الأمير عبدالمحسن بن جلوي العالمية.

الشارقة ـ محمود أبو حامد