في سني طفولتنا الأولى، كنا ننتظر قدوم الأيام بشوق ولهفة. نتعجل الزمن في الدوران. نأمل أن يكر ويفر كالريح. تأتي الأيام.. الأيام الحبلى بالأمنيات العذاب. أيام سعادة وهناء. أيام الأعياد والأفراح، الموالد والمناسبات الطيبة. بدايات العام الدراسي الجديد، يجتمع فيه شمل الأصدقاء ورفاق الدرس. أيام تجمعنا معا في فناء المدرسة، عزيزة على النفس، لا تنسى، تركت بصماتها في حنايا العقل وحبة القلب. ذكريات رائعة لاتزال نائمة في حفائر النسيان.
في الأيام الخوالي الطيبة، كنا نحلم بأن الغد سيكون أجمل من يومنا وأمسنا وخبزنا، وأن المستقبل يحمل بين طياته الكثير من المفاجآت السعيدة. أمانينا بلاحدود، الأفق رحب ومتسع.. لكل البشر، والأمل كبير، كبير..
الآن، نترقب الأيام القادمات من وراء الغيب، من وراء الغيوم. نترقبها بحذر.. وخوف. الخوف مما سيدور فيها ـ لنا ـ أو يقع حوالينا.. فجاة !! دون سابق مقدمات، كالبلاء والوباء ومذبحة الطيور البرية والبشر الأبرياء.. كل هذه المصائب تواجه البشر وتسد في وجوههم السبل، تحاصرهم، تطلب منهم الاستسلام أو الموت..
في هذا الزمن الخؤون، أصبحنا وأمسينا، لا نتعجل الأيام، ولا ننتظرها بشوق ولهفة. لن تبشرنا بالخير، بالحلم، بالأمل، بتقريب الأمنيات البعيدة التي انتظرناها طويلا. الأيام جاءت بالأمراض الفتاكة، الكوارث والنكبات، الهموم والأوجاع.. أصبحت سمة الأيام هي : الدمار والخراب والجوع والألم، وكل من عليها فان، كوارث لم يكن بمقدور البشر التصدي لها !!. نظرة ليست تشاؤمية، بل ما أراه يلوح في الأفق البعيد.. وراء الضباب والرياح والمطر !!
والغد، ماذا نتوقع من الغد ؟ أصبح لا يأتي إلا بكل ما هو مؤلم ومحزن، على النفس والقلب معا. أصبحنا نتمنى أن يتوقف الزمن عن الجريان، أن يسير الهوينا، يحبو كالسلحفاء، ببطء.. وفي تؤدة. اليوم ربما يكون أجمل من الغد. اليوم حينما يمر يسقط جزء من عمر الإنسان.
إنسان هذا العصر، الهزيل، اليابس كفروع الأشجار الميتة. يحمل متاعه الخفيف وزاده القليل على عاتقه، خلفه أهله وولده، يسير حائرا، يبحث عن الأمان. الأمان المفقود في أنحاء المعمورة. يجد نفسه في كل بقعة من هذه الأرض محاصرا، ومطاردا من أخيه الإنسان، وكأنما الأرض ضاقت بمن عليها، وهي رحبة متسعة.. لكل بني البشر !!.
أتمنى لو توقف الزمن قليلا، تمهل.. يهدئ من خطوه، يستريح، يخلد للنوم في ساعة القيلولة.. لنسترد عافيتنا وأنفاسنا اللآهثة المتقطعة. نعيش(الآن) هذه اللحظة أو هذه (الآنة) الصغيرة من عمر الزمن. نترك الهموم والغضون ونكبات البشر. يتوقف المشيب والوهن في الأبدان الضاوية. نحس مذاق يومنا الذي نعيشه ونحن فيه الآن.. ربما.. يكون اليوم ـ كالأيام الخوالي الطيبة ـ أجمل وأروع من الغد القادم من رحم الغيب.