يبدو أن التطورات السياسية والفكرية المتسارعة، وانعكاساتها الحادة على وطننا العربي، بدأت تشكل فرزاً حقيقياً في كل مجالات الحياة، وهذا الفرز طال دور النشر أيضاً، فمن الملاحظ أن بعض دور النشر أخذت موقفاً محدداً لها، فكرياً وتنظيمياً، يتمظهر ذلك في هيكليتها وتعاملها مع الكتاب، واختياراتها للكتب، ولما تقدمه للقارئ العربي، وفيما تخوضه من منازعات ومواجهات من جهة، وفيما تكتسبه تلك الدور من خبرة ودراية ثقافية ومعلوماتية مم يؤهلها أن تكون أكثر من مجرد دار نشر.

دار «مصر المحروسة» التي تشارك في المعرض للمرة الأولى، من تلك الدور، وتعتبر نفسها دار نشر علمانية ليبرالية، لا يقتصر دورها على نشر وتجارة الكتب، بل تسعى لأن تكون نواة لمشروع تنويري عربي، من خلال الانفتاح المعرفي على كل الآراء والاتجاهات الفكرية لتوضيح الرؤى المختلفة، والتركيز على الجيد من الأفكار وكشف الغث منها.

التقت «البيان» المدير العام للدار، خالد زغلول متسائلة عن هذا الدور الكبير الذي تتبناه الدار، فهل هي بمثابة مؤسسات مجتمع مدني وهل الدور الفردي يمكنه أن يحقق ذلك؟ فأوضح زغلول أن في الدار لجنة مستشارين ولجنة قراءة، واختيار الكتب والشغل عليها يتم بشكل جماعي وليس بشكل فردي.

وعن الصعوبات التي يمكن أن تلاقيها مثل هذه الدار بهذه التوجهات قال زغلول: هناك صعوبات كثيرة وكبيرة، لكن الوضع في مصر ما زال بخير من ناحية الرقابة، والكتاب الذي يرفضه الأزهر مثلاً يمكن للدار أن ترفع دعوة ضد ذلك الرفض، وقد حدث مع الدار أن رفض الأزهر لها كتابي «رب الزمان، وشكراً بن لاند» للكاتب سيد القمني، واصدر مذكرة بذلك، وعقد مؤتمراً صحافياً حول الكتاب، وتم مصادرته، لكننا في الدار رفعنا دعوة قضائية وكسبناها، وحكمت لنا المحكمة بتداول الكتاب..

ولم تتوقف ـ يضيف زغلول ـ الصعوبات على ذلك وحسب بل هناك صعوبات ميدانية ومواجهات مع الأصوليين، وقد تلقيت شخصياً تهديداً بالقتل، وقمت بمواجهة تلفزيونية مع الدكتور عبد الصبور شاهين، وأوضحت لهم أن الإسلام ليس ملكهم وحدهم، وليس بالضرورة من يكتب في الإسلام أن يكون سلفياً.

وفيما يخص توجهات الدار، أوضح زغلول أن الدار تهتم بكل الكتب التنويرية، وبالكتاب الجادين، وتسعى للبحث عن الكتاب الشباب، لأنه من النادر أن تجد في هذا الجيل كاتباً أو باحثاً تنويريا، والدار تسعى جادة لالتقاط المبدعين الشباب الجادين، أما فيما يخص توجهات الدار من حيث الكتاب، فهناك علاقات خاصة مع بعض الكتاب، ونطبع لهم أعمالهم بشكل حصري، ومنهم سيد القمني، د. محمد السعيد شتهري، خليل عبدالكريم، وغيرهم يكتبون في الجانب الفكري والفلسفي والفقهي والإسلامي عامة. أما كتاب الأدب، فمنهم سليمان فياض، لينين الرملي.

وعن رأيه في المعرض كمشارك للمرة الأولى قال زغلول إنه سمع عن المعرض الكثير، وقيل له إن معرض الشارقة من أهم المعارض في الوطن العربي.. ولكنه لم يشاهد ذلك على أرض الواقع، فالإقبال على شراء الكتب ضعيف، والقارئ النوعي نادر.. والإيقاع بشكل عام ضعيف. وإذا كان المعرض يسعى للعناوين الجديدة، فكل عناوين «مصر المحروسة» جديدة.

وإذا كان ثمة سبب وراء ذلك، يعتقد زغلول أن السبب في توزيع الدور على القاعتين، فالقاعة الأولى فيها إقبال للزوار أكثر من الثانية، ويعود ذلك إلى أن القاعة الثانية للمؤسسات فالزائر للمعرض يتجه إلى دور النشر وليس إلى المؤسسات التي يعرفها سابقاً أو حتى التي لا تعنيه، ولذلك «ظُلمت» الدور بين المؤسسات في تلك القاعة.

محمود أبو حامد