شهدت ثلاث صالات عرض في دمشق مؤخراً، افتتاح المعرض السنوي للفنانين التشكيليين والضوئيين والخطاطين السوريين الذي تنظمه وزارة الثقافة بالتعاون مع نقابة الفنون الجميلة. فقد احتضن خان أسعد باشا في دمشق القديمة، أعمال الرسم والتصوير والنحت والحفر المطبوع، واحتضنت صالة الشعب للفنون الجميلة أعمال الخط العربي، وصالة المركز الثقافي العربي أعمال التصوير الضوئي.
يشكل المعرض أهم وأبرز تظاهرة دورية لهذه الفنون البصرية التي حققت تطوراً ملحوظاً في سوريا، خلال العقود الثلاثة الماضية، إن على صعيد الكم أو الكيف، إذ تتجاوز أعماله خمسمئة عمل لعدد مماثل من الفنانين، وجميعها من الإنتاج الحديث، بحيث يعكس بأمانة، ما تموج به الحركة التشكيلية السورية المعاصرة من اتجاهات وأساليب وتالياً من إضافات أو تراجعات، ذلك لأن هذا المعرض بات مؤشراً حقيقياً لحالة التشكيل السوري الراهنة، وهي حالة نشطة وصاخبة على صعيد تواتر حضور المعارض الجماعية والفردية في صالات عرض العاصمة وبقية المدن السورية.
وما يرافقها من تغطية إعلامية ونقدية. غير أن المعرض السنوي العام تحديداً، ينال القسط الأبرز من الاهتمام، خاصة خلال السنوات الخمس الماضية، حيث أصبح منظمو المعرض يتشددون في قبول الأعمال المقدمة إليه.
ويقللون عددها، بحجة ضعف مستواها الفني، وخلوها من نزعة البحث والتجديد، ما سبب لغطاً كبيراً بين صفوف الفنانين، تسرب بعضه إلى صفحات الصحف والمجلات، وفيه شن الفنانون الذين رفضت أعمالهم، هجوماً قاسياً وشديداً، على لجنة انتقاء الأعمال، ومديرية الفنون الجميلة بوزارة الثقافة، الجهة المنظمة للمعرض، والمشكلة للجنة التحكيم.
لم يكتف المرفوضون بإبداء استيائهم وغضبهم وملاحظاتهم الكثيرة على طريقة اختيار أعمال المعرض، ووجود محسوبيات في عملية الاختيار هذه، ومجاملات بعيدة عن الموضوعية العلمية، بل أقدم البعض منهم، على عرض أعمالهم المرفوضة، أمام صالات العرض التي تضم أعمال المقبولين، بغية إتاحة الفرصة أمام الجمهور للمقارنة
بين المرفوض والمقبول والحكم عليهما، تماماً كما كان يحدث في العاصمة الفرنسية «باريس» مطالع القرن الماضي، حيث أُبعدت أعمال فنانين كثر عن صالونات العرض، وأصبحوا فيما بعد من أهم وأبرز فناني العالم، وكان معظمهم يومها من الفنانين الشباب الذين تنادوا لإقامة معرض حمل اسم «صالون المرفوضين» في نفس المبنى الذي كان يُقام فيه المعرض الرسمي، بعد حصولهم على موافقة الجهات الرسمية المعنية، ومن هؤلاء نذكر: كلود مونيه، كامي بيسارو، أوغست رودان، ألفريد سيسلي، بول سيزان، أدغار دوغا، غيومان... وغيرهم.
الوضع السوري يختلف كثيراً عن الحالة الفرنسية، حيث كانت مرحلة التحولات الكبرى في الفن العالمي تعيش آنذاك حالة فوران نشطة، تمخضت عن الاتجاهات والمدارس الفنية المعروفة والسائدة في الحركات الفنية التشكيلية العالمية هذه الأيام. بمعنى أن المرحلة الفرنسية تلك، شكلت منعطف التحول الكبير من الكلاسيكية إلى الحداثة، أما الحالة السورية فهي لا تتعدى وجهات نظر متباينة لأعضاء اللجنة المحكمة ومعظمهم ينتصرون للاتجاهات الحديثة.
ما يلفت الانتباه، ازدياد عدد الأعمال الفنية المرفوضة والمُبعدة من المعرض السنوي للفنانين السوريين عاماً إثر عام، ومعها تزداد حالة الاحتجاج والنقاش والمماحكة، ما يُبشر بقيام حالة من الحراك والتفاعل والصخب، تحتاجها الحياة التشكيلية السورية بإلحاح هذه الأيام، لإخراجها من حالة الركود والثبات والتكرار والرتابة والنمطية المتربصة بها، لكن بشرط أن تُدار بحكمة وروية وموضوعية وعقل مفتوح، على أسماع الرأي والرأي الآخر، وإلا جاءت النتائج معكوسة وفي غير صالح الحركة التشكيلية ومستقبلها.
دمشق ـ د. محمود شاهين