علي ضفاف المتوسط تعاقبت حضارات عدة في سلسلة متصلة الحلقات، بدءاً بالحضارة المصرية القديمة تليها الإغريقية ثم الرومانية، التي جاءت بعدها بألف سنة الحضارة الإسلامية بالأندلس وصقلية وإيطاليا، وبعد أكثر من 1500 سنة جاء إعلان برشلونة حول ضرورة الحوار واحترام الثقافات والأديان، وأهمية التحالف المشترك وتحديد الإطار الحاكم له ولآلياته، في هذا الإطار أقامت كلية الآداب جامعة القاهرة ندوة بعنوان «حوار الحضارات في عالم متغير» شارك فيها نخبة من أساتذة الكلية .

في البداية تحدث د . عبد الله التطاوي أستاذ النقد الأدبي بجامعة القاهرة عن الاحتكام إلى الإنصاف في حوار الحضارات فقال: للعرب القدماء منطق غريب صاغته عزلتهم القبيلة في منطقة شبه الجزيرة العربية، حيث اعتادوا على أن الأول لا يترك للآخر شيئاً.

ويضيف: إن الاحتكام إلى الإنصاف في منطق حوار الحضارات في عالمنا المتغير يبدأ من عدة منطلقات، منها تعميق ثقافة الاعتراف بالإنجاز الحضاري سنوياً إلى مصادره ومرجعيته الصحيحة، بعيداً عن استباحة التهريج الرخيص بتاريخ الشعوب وتراثها، ودور الأمم ومقدراتها على غرار ما وقف من التقاط أوروبا لخيوط العطاء العربي الإسلامي.

وما أعقبه من تواصل في تقدم ثروات العلم وتراكم المعرفة وحجب أسرارها عن الشرق تجاهلاً لدوره الأصيل في التأليف والترجمة عبر عصور الظلام الأوروبي الوسيط،.

وجاء ذلك الانفتاح عبر ثلاثة مستويات منها عالمنا الإسلامي وموسوعية المعرفة وإنسانية الحضارة، والتي كانت الداعي لأن يتوصل عطاؤها بمقتضي وضعها، حيث بدت عربية لتضم كل الأديان، كما بدت إسلامية لتضم كل الأجناس، وبين العربية والإسلامية سارت في معمارية النقل على المستويات المادية والفكرية والوجدانية في حركة العلم.

إعادة القراءة .

وأضاف: إن سيادة الإبداع تبدأ من إعادة قراءة فصول قصة الحضارة العربية الإسلامية، حيث تجاوزت المعابر بين الأندلس وصقلية وإيطاليا «مكانا» لتتواصل «زماناً» دون انقطاع إلا من خلال الجمل الاعتراضية التي صنعتها الحركات الاستعمارية الشرسة.

حيث أرادت النيل منها وتعطيل مسارها، مع إيقاف حركة إنتاج العلم والمعرفة، إلى أن جاءت حركات التحرر الوطني ليبدأ التنبه إلى ما حدث بالفعل، مع اتساع الثقة بين الشمال حول صراع الحضارات أو الإصرار على التصادمية، متجاهلة أخطر شريحة أقامت بها تلك الحضارة العربية الإسلامية على مدي ثمانية قرون من عمر الزمان تكلم العلم فيها العربية دون تفرقة بين عربي وأعجمي أو مسلم وغير مسلم.

ونبه إلى ضرورة عدم التباهي بالماضي، لما قد يصحبه من أوجه قصور في نقش الذات والدافع، مما يدفع للعجز عن تحديد ضمانات الحوار وسبله ومناهجه ومستوياته وأهدافه ومداخله، إلى جانب اليقين بجدواه وأهميته في إيقاف نزيف الاحتقان والتوترات والنزاعات والحروب، وما ينجم عنها من الانتكاسة في مشهد التقدم الإنساني، على غرار ما تحكيه نهاية التاريخ وقصة صراع الحضارات وتصادم الثقافات

معوقات الحوار

ويتسلم د. حسن حنفي أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة الحديث ليقول: يعد استشعار الظلم والنكران، والاضطهاد تحت ضغوط الجحود والتجاهل، وما يصحبهم من مساس بالخصوصية والهوية القومية، أو تهميش الحقوق في غيبة العدالة، أو محاولة اقتحام الطغاة للشؤون الداخلية للشعوب بما تحاول نشره من ثقافة التبعية أو فقد الثقة على المشاركة في بنية الحضارة وإنتاج العلم وصناعة المعرفة في ظل ازدواجية المعايير، من أهم سبل إزالة معوقات الحوار الحضاري. ويضيف قائلاً:

علينا أيضاً ألا ننسى إعادة قراءة مداخل الحوار التي انطلق منها النص القرآني المقدس والتي أكدتها سلوكيات النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وشرحت فصوله وفتحت أبوابه علاقة العرب بالأعاجم بدءاً من الموت وطبيعة المساواة، ووصولاً إلى تيارات الشعوبية المذهبية أو الحضارية وما طرحته من تداعيات لدى رجال قوميين ومبدعين متعصبين سعوا إلى تأجيج الخصومات القومية على مستوى العنصرية والانتماء، حيث لم يتبق أمامهم سوى البعد الثقافي الذي ظل جامعاً لوحدة القوم تحت ما أنتجه العقل، وما أبدعه الشعراء والكتاب والعلماء تحت مظلة الحضارة العربية الإسلامية بمفهومها الإنساني.

وأشار إلى ضرورة إعادة المشهد الحواري الذي بدأته دار الحكمة في «دار السلام» منذ تعايشت علوم الأوائل جمعاً وتدويناً وتصنيفاً وشرحاً، إلى جانب قلم الترجمة الذي فتح نوافذ العلم اليوناني للعرب، فنقلوا وأضافوا وشاركوا وابتكروا ثم ألغوا بالعربية فأبدعوا في كل العلوم إلى أن انتقلت أرصدتهم المترجمة والمولفة إلى جامعات أوروبا في العصور الوسطي لتضع الأسس والمقومات، لما شهده عصر النهضة من تنمية وتجديد وابتكار، بما يستدعي المراجعة الموضوعية للمصادر ورد الجميل لأهله.

ويضيف: أن الإنصاف وحده لا يكفي لاستدعاء صور الحوار الحضاري بقدر ما يتطلبه الأمر من الوعي الجيد بطبيعة حركة التاريخ وتتابع حلقاته التي يظل فيها منطق العلم هو السائد، ومستهلك المعرفة ومستوردها هو المسود بما يستدعيه الأمر من مراجعة قصة الحضارة بكل فصولها وتحولاتها ومعاييرها.

العرب الأوائل

ثم تحدث د . أحمد عبد الله زايد أستاذ علم الاجتماع فقال: إن الحضارة العربية الإسلامية هي الصانعة الأولى للحوار بين الحضارات والأديان فدعوة الإسلام في أساسها دعوة للحوار والجدل بالأحسن وإعمال العقل، والاجتهاد وحرية التفكير والتعبير وقبول الآخر، كما أن الخطاب الإسلامي في حجة الوداع كان موجهاً للبشرية كلها وليس للمسلمين وحدهم.

أما في الغرب فلم ترد علمة الحضارة في اللغة الإنجليزية إلا في وقت متأخر، حيث كانت تعني «القانون» الذي يطارد الإجرام ويحافظ على النظام، لهذا ارتبطت العلمة بمجموعة من الصفات المعيارية منها الدقة والرقة في السلوك وترك السلوك البربري الهمجي، واستخدام نظم متطورة للحكم والعلاقات بين البشر، ولكن هذا التعريف للحضارة استخدم في الحضارة الأوروبية لتبرير الاستعمار والسيطرة على الشعوب الأخرى.

ويتابع حديثه بأن الفكر الغربي أفرز عدداً من المقولات التي تنظر للشعوب نظرة استعمارية، منها التفريق بين البدائي والمتحضر، والمستعبد والديمقراطي والشرقي والغربي، فكل هذه المسميات ظهرت لتبرير سيطرته على الشعوب الأخرى.

وقد أنتج الفكر الغربي الكثير من المقولات التي تدعم هذا على لسان بعض الفلاسفة والكتاب الذين كان لهم تأثير على الفكر العربي مثل «هيجل» الذي قال في كتابه الأول :«إن الشرقيين لم يتوصلوا حتى الآن إلى معرفة أن الروح هي الإنسان، لأنهم لا يعرفون ذلك، لذلك لن يكونوا أحراراً».

القاهرة: فاطمة الزهراء كامل

من ـ وكالة الصحافة العربية