اعتاد الوطن العربي إهانة مبدعيه وعلمائه لدرجة تدفعهم إلى الهجرة في بلاد الله الواسعة، أو في الزنازين الضيقة، أو في مخيلتهم التي قد توسوس لهم بالفقر والجوع والجنون. وبعيداً عن معالجة الأسباب المعروفة تماماً، آن لنا أن نتساءل عن حال ثقافتنا العربية ومثقفيها، عن ندرة العلماء العرب، وعن حال أمتنا الراهن ومستقبلها فيما إذا كان هناك مستقبل؟!

لن أخجل من واقع نعيشه أو نحياه، فلا فرق بين العيش والحياة هنا، كوننا لسنا من العائشين ولا من الأحياء، كما أننا لسنا أمواتاً، وأتصور يصح في وصفنا أكثر حين نقول نحن نحتضر مع وقف التنفيذ ! إذن، لماذا نخجل حين نطرح قضايانا الجوهرية متسائلين عن مآلنا ومآلها في زمن بلا مآل؟

وعليه، أرى أن بلادنا ما بين مشرقها ومغربها، لا تحترم العقل الفاعل، ولا أشير هنا في أي حال إلى أنصاف الكتبة والمتعلمين والمتطفلين والمرتزقة ومقاولي الكتابة والشهادات والزيف والخ...

وعليه، مرة متأخرة أخرى، أرى بأن الإهانة تطاردنا ابتداءً من لعنة الإبداع وليس انتهاء بلعنة الحصول على اللقمة والقلم..

وحين أطالب المختصين بتفريغي مثلا ، للثقافة، وليس من الثقافة، أجدهم يفهمون أنني بحاجة إلى أوقاف إسلامية أو جمعيات خيرية.. وكأنني عالة بعقلي وثقافتي وإبداعي عليهم.. وكأنهم لا يرون أن من واجب الأوقاف والجمعيات الخيرية مساعدة أمثالي على المثابرة في طلب العلم والقراءة والكتابة!!!

أتأمل ملياً مترفعة عن كل ما هو في الأسافل، متعففة عن كل ما لا يمت للأعالي، وإذ بي وحيدة في واد غير ذي زرع، فقط لأنني لا أجيد النفاق والكذب والتزييف ومسح الأجواخ والنصوص واللوحات والأجساد والخ، ثم أغض القلب عن كل شيء إلا الله، وهذا يقيني الوحيد الذي أوقفني كثيراً عن ارتكاب جريمة (أبي حيان التوحيدي ) مع بعض الإضافات : فأنا لا أريد أن أحرق كتبي ومخطوطاتي دون أن أحرقني معها... ! فهي أنا وأنا هي.. لذلك أتريث واثقة من أن الله تعالى منصف لأمثالي ذو حكمة.

أما بعد، وتبعاً لمتابعتي للمشهد الثقافي والعلمي فأنا أجزم بأن بعض الدول العربية المعتمدة على حضارة تاريخية، لم تنصف هذه الحضارة في الزمن المعاصر.. بينما ألاحظ أنه في دول عربية أخرى، لاسيما دول الخليج، كيف أضحت الثقافة بكل مفاهيمها الأدبية والعلمية والتكنولوجية والاقتصادية والإدارية والسياسية، المحور الهرمي والبوصلة الدالّة على التطور الحضاري، فصارت هذه الدول من أكثر دول العالم اهتماماً بالثقافة والعلوم والفنون والإبداعات الإنسانية في كل المجالات الفاعلة والإيجابية اهتماماً مفيداً، متسارعاً ومنتجاً..

وها هي ترعى الإنسان كإنسان قبل كل شيء، واضعة، في الغالب، الطاقة المناسبة في المكان المناسب.. وبديهي أن لا تقف الرعاية عند حد، والدليل أن رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان يعلن عن جائزة للكتاب، كما أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي يرعى المثقفين والعلماء لدرجة أن جراحاً إماراتياً حقق إنجازاً عالمياً بزراعة قوقعة الكترونية للصم والبكم بالمنظار الجراحي..!

بينما تشرق جائزة السلطان قابوس للإبداع مع إعلان سلطنة عمان عاصمة للثقافة العربية ! ولا تزال الحركة الثقافية في السعودية تشع بالمزيد في كافة المجالات، وهناك في اليمن ينطلق مهرجان للشعر وآخر للقصة..

وتبحث قطر عن حضور ثقافي ملفت بإعادة إصدارها لمجلة الدوحة وبإطلاق جوائز أدبية مهمة مهما دارت حولها الملاحظات.. ولم تهمل الكويت أياً من أنواع النشاطات والإنجازات العلمية والأدبية سواء عن طريق جوائزها المميزة أم على صعيد دورياتها.. ولو اتجهنا نحو البحرين لأشار لنا الملتقى الثقافي، ولوقفت مجلة ثقافات ومجلة البحرين مثل شراعين لسفينة أسطورية.. وهناك، في الطرف المقابل، دول عربية تشبه القطط التي تأكل أولادها متلذذة بدمائهم أكثر لاسيما إذا كانوا مبدعين.. !!!

لماذا لا تسعى بقية دولنا العربية إلى الاهتمام بعقولنا وأرواحنا بدل اهتمامها المبالغ فيه بأشياء أخرى ؟!

وما الدور الذي تؤديه بعض السفارات والقنصليات العربية ؟ ولماذا جامعة الدول العربية لا تحرص على مساندة المبدعين العرب ولا حتى باستثنائهم من تأشيرات الدخول والخروج لحضور المهرجانات الثقافية مثلا ؟ ولا تطرح مشروع تفريغهم للكتابة وفق المعايير المنطقية المتعارف عليها عالمياً ؟ ألم يتساءل أحد : لماذا يحق للكاتب السويدي على سبيل المثال أن يحصل على راتبا شهريا محترما ولا يحق للكاتب العربي أن يتنفس الأوكسجين كما يشاء ؟ ولماذا إذا طبع الكاتب غير العربي كتاباً واحداً كفاه مادياً طوال حياته بينما يموت مبدعنا على كرسي نقال أو في غرفة العمليات أو غرفة الإنعاش أو في الشارع موتاً جبرياً ؟!!!.

إلى متى علينا أن نسكت عن حقوقنا وأن نكون في عداد الصم والبكم الذين لا يفقهون حتى لو كانوا يكتبون ؟!

هل تفضل أمتنا العربية المعتوهين على الأصحاء فيما إذا كان بيننا أصحاء في الأرواح والنفوس والعقول والضمائر والأجساد ؟

ghaliauae@yahoo.com