استضاف الملتقى الفكري المصاحب لمعرض الشارقة الدولي للكتاب مساء أول من أمس الباحث المغربي الدكتور سعيد يقطين في ندوة عن الثقافة الشعبية ومقومات الثقافة العربية، بحضور عبدالله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام رئيس اللجنة المنظمة للمعرض، وحشد من المتابعين والمثقفين والإعلاميين وزوار المعرض.

قدم للندوة الدكتور عمر عبدالعزيز مدير إدارة النشر في دائرة الثقافة والإعلام، مرحباً بالضيف الكريم، والذي بدوره شكر دولة الإمارات العربية المتحدة عامة، وحكومة الشارقة خاصة، من خلال دائرة الثقافة والإعلام على إقامتها لهذا المعرض، والسوق الثقافية بامتياز، ليكون ملتقى حقيقياً للتفاعل بين مختلف المكونات الثقافية العربية، وحواراً حول قضايا مهمة تمس واقعنا الثقافي والفكري والاجتماعي.

ورأى د. يقطين أن موضوع الندوة «الثقافة الشعبية» مناسباً للتفكير في آفاق واقعنا الثقافي أمام التطورات المذهلة عالمياً، والتي بدأت تمس الموجود والوجدان، والثقافة الشعبية بما هي خزان للذاكرة الجماعية ومرصد للمتخيّل وبؤرة طاقاته الكامنة.

إشكاليات متداخلة

لفهم الثقافة الشعبية وإشكالياتها أوضح د. سعيد أنه يمكننا الوقوف على أهم مظاهر تجلياتها، ومن ثم العمل على البحث في جذورها الماضية، ويتم ذلك من خلال ثلاثة أنماط: ثقافة عالمية، وهي الإنتاج المعرفي الذي تحقق خلال العصور، وظل الرافد الأساسي للهوية العربية ـ الإسلامية وهي واقعياً في المجالات الرسمية والمدرسة والجامعة والمسجد والإعلام، والذين يعملون بها هم الفاعلون والنشيطون في المجالات الثقافية والإعلامية.

الثقافة الجماهيرية التي تأتي في الترتيب النظري بعد الثقافة الشعبية، تأتي واقعياً قبلها، وهي ـ أي الجماهيرية ـ في كل النتاجات ذات البعد الفني والثقافي الموجهة للجماهير الواسعة، وهي تُمنح من الثقافة الشعبية والعاملة، ولها قنواتها المتعددة التي توظفها كوسائط للاتصال والتواصل، كالإذاعة والجريدة والتلفزيون والسينما.. والمنشغلون بها هم أيضاً رجالات الإعلام والكتاب والفنانون والمتعاملون مع هذه الوسائط.

الثقافة الشعبية، وهي الإنتاج الذي يواكب الثقافة العالمية ويتناقض معها وكان أحياناً على هامشها، تأتي في الترتيب الأخير من حيث الأهمية، لأن فضاء إنتاجها يظل بوجه عام هو الريف، البداية، أو المدن الصغيرة، ولا تحظى إلا بمكانة ثانوية في مختلف وسائط الإعلام والتواصل.

ويؤكد د. يقطين بعد هذا التحديد للأنماط الثقافية الثلاث أن هناك عدم توازن في التعامل معها مما يؤثر في إعطاء الثقافة العربية إمكانية التطور الملائم، وخاصة الثقافة الشعبية التي إذا نظرنا إلى مقوماتها وتجلياتها الحالية سنجد على صعيد اللغة ومخزونها التاريخي، أن اللغة المستعملة في التداول صارت شحيحة بلاغياً وفارغة من الحمولة الجمالية «الحكم، الأمثال، الاستعارات» وفي المناسبات صارت ذات بعد بهرجي تفاخري، وفي الغناء تم تدجينها ـ أي اللغة ـ وتأديتها بشكل مشوه بلا أصالة ولا إبداع والتنكر لها من فئات الشباب مقابل الثقافة الجماهيرية.

ورغم هذا ـ يوضح د. سعيد ـ أنه تظل اللغة في اللاشعور الجماعي، وضرب مثلاً على ذلك عند العرب المهاجرين، وفي الدول العربية حين يعرفون السائحين على أصالتهم أو تاريخهم، وهذا جعلنا أمام موقف مزدوج، متناقض: التنكر لها عملياً من خلال التهجين والرفض، وتقديمها دليلاً على الأصالة المحلية، فهذا الازدواج يدل على ازدواج الشخصية العربية: الأصالة ـ المعاصرة.

تهميش مقصود

هذا الموقف المتناقض ـ يضيف د.سعيد ـ وليد تهميش مقصود، وراءه غياب الاهتمام الرسمي والشعبي، مما يؤدي إلى ضياع جزء مهم من الذاكرة الجماعية، وتعرضه للتلف جراء هذه المواقف غير المدروسة المفتقدة للتوثيق وإحياء مظاهر وعادات وتقاليد محلية، استقلال المناسبات لتجديد الصلة بالماضي، وإعداد معاجم وقواميس لمختلف تجليات هذه الثقافة الشعبية التي تعد من أهم مقومات الثقافة القومية العربية بما تضمه من لغة ودين وذاكرة جماعية.

فعلى صعيد اللغة، كل اللهجات العربية سليلة هذه اللغة المرجع، وتظل الثقافة الشعبية في مختلف المناطق حمالة اللغة في عمقها الوجداني. وعلى الصعيد الديني، فالإسلام يوحد المسلمين جميعاً، وما تحقق على مستوى العالم العربي من تاريخ مشترك، أعطى البعد الديني سمات تتحقق في كل البلاد العربية بغض النظر عن الطائفة أو المذهب. هذا العمق الديني يحتل في الإنتاج الشعبي «الحكايات ـ القصص ـ المناقب، قصص الأولياء الصالحين.. عصارة تاريخ طويل.

وعلى مستوى الذاكرة الجماعية، تظل الذاكرة الشعبية «الشفوية» رغم الكتب التاريخية، المرجع الأساسي للوجدان الشعبي العربي الموحد.

الشارقة ـ محمود أبو حامد