هل نجح مهرجان دمشق المسرحي..؟ سؤال يزور جلسات بعض الفنانين والمثقفين والإعلاميين في سوريا فور انتهاء أي من دوراته، بحيث يتحول هذا السؤال إلى وجبة دسمة من الانتقادات الساخرة أو المديح الجاد، تبعا لوجهات نظر المتابعين لدوراته أو لمصالح يقدرون أهميتها وضرورتها.
وبطبيعة الحال نحن نحكي عن حال قصيرة المدى لأن المهرجان في عودته الثانية عمره عامان فقط، ولو أن هذا السؤال حسب ما أكد أحد المسرحيين القدماء دائما يطرح كما هو عقب كل دورة، لأن حال المهرجان لم تتغير كثيرا عن أيام زمان والأسئلة نفسها تثار والحوارات لم تبتعد كثيرا في أجوائها عما كان يحدث في الثمانينات، فقط جرعة الالتزام والوطنية والشعارات خفت بعض الشيء بفعل الزمن وانجلاء الحقائق..! نضحك على ما يقوله صاحبنا الذي لم يأذن لنا ان نذكر اسمه ولكننا نتوقف أكثر عند مهرجان دمشق المسرحي الثالث عشر هذا العام الذي يعتبر الأضخم في تاريخ دورات هذا المهرجان وفي تاريخ دورات المهرجانات المسرحية العربية..فماذا عنه...؟
لعل إحدى مساوئ القراءات النقدية أو التحليلية في عالم الصحافة إقحام الجانب الشخصي على عالم المهنة ولكني أود أن أقول انني غبت عن دمشق مدة خمس سنوات لم أشاهد فيها عرضا مسرحيا واحدا في المدينة التي تتجاور فيها صالات العروض المسرحية الرخيصة والعروض الجادة، وفق معادلة لا يعرف ان يتعامل معها إلا السوريون أنفسهم، وعندما أوفدت إلى مهرجان دمشق لهذا العام وجدت أن هناك صالات عرض أخرى غير القباني والحمراء وقد أضيف لهاتين الصالتين صالات دار الأسد للثقافة تلك الصالات البهية والمزودة بتقنيات فنية عالية.
وهي ثلاث على ما أعتقد بالإضافة إلى مسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية والمسرح العسكري، وبطبيعة الحال ستختلف أهمية كل صالة تبعا لدرجة الاهتمام بها وبصيانتها الدورية، وعلى خشبات تلك المسارح السبعة ازدحم الناس، ولأول مرة منذ فترة طويلة أرى حالة التنافس والازدحام للحصول على مقعد في صالة لعرض مسرحي جزائري او أردني أو مصري أو سوري، وإذا كانت كل أشكال الازدحام هي معايير سلبية وغير صحية في المجتمعات البشرية إلا أن الازدحام لشأن ثقافي دليل عافية مئة بالمئة.
المهرجان استضاف هذا العام خمسين عرضا مسرحيا، وكنت حاضرا في كواليس المهرجان على استياء المخرجين السوريين من عدم وجود مسارح أو متسع من الوقت للقيام ببروفات، وبطبيعة الجمهور لا يرحم ولن يرحم أي أخطاء أو هنات يشاهدها ومن هنا كان الخوف كبيرا.
باعتقادي دفْع خمسين عرضا نصفهم من الخارج والنصف الآخر هي عروض سورية، أمر فيه مغامرة إلى أقصى درجاتها، فالمسرحي السوري كان حريصا على ان يعرض في هذه التظاهرة ولطالما وقع مدير المهرجان بمشكلة تنسيق العروض، ولكن إن لم يكن متاحا ان يشاهد المسرحي العربي أو الأجنبي تلك العروض في وقت المهرجان فلن يشاهدها في أي وقت آخر...العروض توزعت على مدار عشرة أيام وبمعدل خمسة عروض كل يوم، وبلا شك كان المهرجان عنوان حالة الحراك الثقافي والفني في دمشق على مدار أسبوعين وعلى الرغم من انه ثمة انتقادات لكثرة العروض وتوزعها في أماكن بعيدة إلا أنه ـ حسنا ـ فعل وزير الثقافة السوري، بطل هذا اللقاء الاحتفالي، بدفعه لهذا الكم والنوع إلى المشاهدين والمسرحيين بحيث يستوعب المهرجان كل العروض.
وقد كان هذا قراره، كي يشاهد مع زوار مهرجان دمشق تلك العروض، ومن حكم المؤكد القول ان نجاح عروض مهرجان مسرحي يعني نجاح المهرجان برمته، لأن الندوات الفكرية والحفلات التكريمية والمؤتمرات الصحافية هي على هامش مناسبة درامية كهذه بطلها الأساسي العرض والمشاهد.وباعتقادنا ان اندفاع الشباب السوري ليقدم عروضا مسرحية حقيقية هي إضافة تحسب للمهرجان بأن يكون هناك جيل مسرحي رابع او خامس يدعم بقية الأجيال التي سبقته، ولكن حبذا لو تم الاستغناء عن عروض المحافظات في مناسبة عربية ودولية كهذه.
وسخاء المهرجان بالعروض سايره سخاء آخر في تكريم المسرحيين العرب، إذ حضر الدكتور رفيق الصبان بعد انقطاع طويل عن المهرجان الذي ساهم بانطلاقته وكرم أيضا عبدالرحمن آل رشي وتيسير السعدي ورفيق سبيعي ومها الصالح لأول مرة في مهرجان مسرحي سوري، وهؤلاء يعتبرون من قامات المسرح السوري العتيق وكرم أسامة أنور عكاشة ونور الشريف ومحفوظ عبدالرحمن وسميح القاسم ومحمود درويش وعبدالعزيز السريع وهدى وصفي وغيرهم، وبطبيعة الحال قليلون يعرفون أن لبعض الأسماء المشهورة نشاطات مسرحية قديمة أو غير معروفة على نطاق واسع.
ولكن المهرجان بطرحه للعديد من الأسماء العربية أراد أن يكون تظاهرة ثقافية إعلامية عربية مئة بالمئة لأسماء عربية كبيرة يجتمعون في وقت عربي عصيب في دمشق، ويبدو أن وزارة الثقافة السورية كانت حريصة على أن يكون هناك لم للشمل العربي ثقافيا على الأقل في مناسبة قد لا يلتقي بها المثقفون العرب كثيرا.
ومن فيلم الافتتاح الوثائقي التوثيقي لتاريخ المهرجان الذي أعده الزميل على سفر مرورا بالعروض المسرحية «شوكولا والليغرو والديك وقبعة المجنون والبيت ذو الشرفات السبع وحمام بغدادي وكأس سقراط الأخير والنفق وهجرة أنتيغون ورأس الغول» وغيرها من العروض السورية، إلى عروض عربية ارتقت بصنعتها وصناعها إلى مستوى الهم العربي أو الهم المسرحي العربي مثل «هنا تونس، والجدارية، وهوى وطني، والناس اللي في التالت وأحلام شقية والظمأ وآخر منامات الوهراني والجدار..» كلها وقعت وبصمت في مهرجان قال كلمة هامة على مستوى المسرح العربي.
وبطبيعة الحال ثمة مساحة للفعل ومساحة للكلمة بحضور أساتذة المسرح العربي في الندوة الفكرية المركزية التي جرت على مدار ثلاثة أيام بعنوان «الشباب ومستقبل الشباب العربي» وحضر من الضيوف في هذه الندوة عزالدين قنون وعبلة الرويني وسميرة بارودي وعبيدو باشا وغنام غنام وماري الياس ونبيل الحفار ومحمد قارصلي ونائلة الأطرش وأسامة غنم وحنان قصاب حسن ونادر القنة ومحمد إدريس ونهاد صليحة وعادل قره شولي...وغيرهم ممن حكوا باستفاضة في ندوة أقل ما يقال عنها انها تحكي عن مستقبل المسرح في ظل ما صار يعرف أفول نجم المسرح عالميا، ولا أحسب أن هذا العدد الضخم من المبدعين العرب قادر على اللقاء والنقاش في مستقبل المسرح العربي في غير دمشق.
ولكن لا بد من ملاحظات عامة تورد لأن ما قدمه المهرجان قد يكون أهم بكثير مما نقصه على مبدأ الأعمال الكبيرة لا يحكى عما نقصها بل ما قدمت، وهنا كانت المشكلة ببعض القضايا التنظيمية التي تتعلق بعدم وجود دليل عام للمهرجان وتبدل مواعيد عروض وتأخر بعض الفرق في الوصول وما إلى ذلك، وهذا لا يمنع بحال من الأحوال ان يقال ان مدير المهرجان جهاد الزغبي قد بذل مجهودا كبيرا على حساب بروفات عرض مسرحي كان يقوم به داخل المهرجان. ولكن ما باليد حيلة والكل يريد أن يكون ابن هذا العيد السنوي.
إضاءة
ولد مهرجان دمشق عام 1969 بسبعة عروض من أربعة بلدان عربية وتابع المهرجان دوراته غير الثابتة تبعا للأحداث السياسية منها حرب تشرين التحريرية، والحرب الأهلية اللبنانية والاعتداء الصهيوني على لبنان عام 1982، وقد كان لتلك الأحداث اليد الطولى في قصم ظهر هذا المهرجان، انقطع المهرجان عن الحياة عام 1988 وهو في دورته الـ 11 ثم عاد العام الماضي بعد انقطاع 16 عاما وحقق هذا العام دورته الـ 13. وإذا كان المهرجان هو أقدم المهرجانات المسرحية العربية فإن وزارة الثقافة السورية ستسعى كل عام لجعله احتفالية عربية ثقافية يجتمع فيها كل المثقفين العرب.
دمشق ـ جمال آدم
