في جولة لها بين دور النشر المشاركة لاحظت «البيان» أن مواكبة الكتب الجديدة للأحداث السياسية والتطورات الفكرية المتسارعة، باتت تشكل حالة مشتركة بين الناشرين وإن تعددت طرق التناول..

فثمة كتب تتناول الحدث بتفاصيله كما في كتاب «رسومات شيطانية ـ أزمة الإساءة للرسول» للدكتور عبدالرحيم عبدالواحد ومصطفى محمد، وكتب تتكئ عليه كما في كتاب «أزهار الجليل» لإسرائيل شامير، ترجمة ناصرة السعدون، وأخرى تتخذ الحدث كعنوان وتعود به إلى التاريخ القريب لتتناوله بشكل تراكمي وهذا ما نلاحظه في كتابي اسكندر رياشي «قبل وبعد. ورؤساء لبنان كما عرفتهم»، أو تعود إلى التاريخ لتسقط الأحداث القديمة على المستجدة، كما في كتاب «تاريخ سوريا ولبنان» لمارينا بانتيشينكوفا، ترجمة زياد الملا. أما الكتب التي تواكب التطورات الفكرية، فتختلف من حيث التناول عن الكتب التي تهتم بالأحداث السياسية، وإن كانت تقاربها من حيث اهتمام الناشرين بالجديد منها، وسعيهم إلى ترويجها مع معرفتهم بنخبوية قرائها أحياناً.

ومن الملاحظ أن العناوين التي يندرج تحتها حوار الحضارات بمنحاه الديني يأخذ النصيب الأكبر من تلك الكتب، كما هو الحال في «العلمانية على محك الأصوليات اليهودية والمسيحية والإسلامية» لكارولين فورست، وفياميتا فينر، ترجمة غازي أبوعقل، وكتاب «الإرهاب الغربي» لروجيه غارودي، ترجمة سلمان حرفوش. - رسومات شيطانية: كتاب رسومات شيطانية من إصدار دار «ميديا هب انترناشيونال» للنشر في دبي يتحدث عن الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم. ويحاول وضع أزمة الرسوم في سياقها الصحيح في ظل تشابك العلاقات وتباين المواقف على مستوى مختلف أطراف الأزمة. وعلى مدى سبعة فصول يرصد المؤلفان الدكتور عبدالرحيم عبدالواحد ومصطفى محمد تفاصيل الأزمة وأبعادها المختلفة مقدمين رؤية تحليلية معمقة بشأن موقعها من العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب.

ويشير المؤلفان إلى أنهما حاولا رغم الطبيعة الشائكة التي تتسم بها الأزمة خاصة لجهة مساسها بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يلتزما أكبر قدر من الموضوعية في تناول الموضوع بالشكل الذي يمكنهما من تقديم رؤية متكاملة للقارئ تعينه على فهم واستيعاب ما جرى في ضوء ما يشيرا إليه من محورية الأزمة في تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب.

وهنا يؤكدان على أنهما إذا كانا حاولا تجاوز حالة الغضب التي اجتاحت الشارع العربي والإسلامي وتحولت إلى غليان أدى إلى انقلاب في الأوضاع لغير صالح الإسلام والمسلمين بحيث تحول الجاني إلى ضحية والعكس، فإنهما في الوقت ذاته يحاولان أن تجاوز حالة التفريط التي بدا عليها البعض حتى خرج من بين المسلمين من يلوم من خرجوا للتعبير عن الغضب على ما وقع من إساءة للرسول.

ويحاول الكتاب التأكيد على نقطة أساسية هي أن الإمعان في الأزمة بأبعادها المختلفة يكشف عن أن الكل شاب موقفه قدر من الخطأ.. وإن اختلف مقدار هذا الخطأ، وأنه بقدر ما كانت الإساءة بالغة لا تغتفر، فإن بعض ردود الفعل اتسمت هي الأخرى بالإساءة من زاوية ثانية.

غير أنهما يحذران هنا من الانجرار وراء ما يحاوله البعض من تحويل القضية من كونها إساءة إلى النبي إلى كونها بحثاً في طبيعة المسلمين وردودهم الانفعالية، رغم أهمية هذه الرؤية في تعامل المسلمين مع أنفسهم، غير أنها لا تمثل القضية الأهم وإن كانت تأتي في مرتبة ثانية، حتى لا يكون تناول القضية بذلك كمن يقدم العربة على الحصان.

وتحت عنوان «الأزمة... الأسباب والمسببات» يبدأ المؤلفان في رصد البدايات الأولى لفكرة إعداد الرسوم الكاريكاتورية المسيئة في سبتمبر 2005 ثم تطور نشرها تحت زعم مساندة حرية الرأي والتعبير وتضامناً مع الصحيفة الدنماركية في موقفها تجاه الرافضين للنشر في العالم الإسلامي.

ويقدم الفصل الثاني قراءة في ردود الأفعال المختلفة تجاه الأزمة، مشيراً إلى أنها تراوحت بين التأييد والمؤازرة لموقف الصحيفة الدنماركية والتوجهات الغربية القائمة على مزاعم حماية حرية الرأي والتعبير.

ويشير الكتاب إلى أن ردود الأفعال الرسمية على كل المستويات سواء الأوروبية أم العربية والإسلامية شابها قدر من التناقض مما كان يعكس عمق الأزمة فيما حاولت الأمم المتحدة على لسان أمينها العام كوفي عنان، الإمساك بالعصا من المنتصف،

حيث إنه في الوقت الذي أدان فيه نشر الرسوم إرضاءً للعالمين العربي والإسلامي، دافع بشدة عن المساحة المفروضة لحرية التعبير والرأي، منادياً بضرورة احترام حرية الصحافة. ثم يعرض الكتاب في إطار هذا الجزء للبدايات الأولى للاحتجاجات على نشر الرسوم.

ويتناول الكتاب بعد ذلك في الفصل الثالث التداعيات السياسية المختلفة للأزمة، مشيراً إلى أنه في ظل أجواء الغضب الشعبي والاحتقان والتوتر اللذين عما العالمين العربي والإسلامي، صبت بعض الصحف الأوروبية والعربية الزيت على النار، عبر إعادة نشرها لتلك الرسوم، مما زاد من حدة الغضب الجماهيري والرسمي وأدى بالتالي إلى تصاعد حدة التظاهرات التي صاحبتها أعمال العنف في أماكن مختلفة من العالم.

أزهار الجليل

«أزهار الجليل» من إصدارات دار كنعان التي عودتنا على متابعة الجديد النوعي، بحس وطني ومرجعيات فكرية، ودراية تقنية وجمالية.. وجديدها هذا العام للكاتب إسرائيل شامير الذي يعد من أصحاب الأصوات الشجاعة القليلة التي رفضت وأدانت الممارسات الصهيونية وتصدت لإيديولوجياتها الظلامية التي كرست ثقافة عنصرية في «المجتمع الإسرائيلي» انتهت به برفض الآخر الفلسطيني، وتنكرت لحقوقه المشروعة والتاريخية، ومارست شتى أنواع القمع والمجازر، الأمر الذي ولد،

ويولد أسئلة تطال مصداقية ما يشاع عن ديمقراطية «إسرائيل» في ظل مجتمع تشبع بروح العنصرية ليدفع بأعتى رموزها لسدة السلطة، بداية من بن غوريون ومروراً بشامير ونتانياهو وشارون وانتهاء بأولمرت.

إسرائيل شامير في كتابه هذا، والذي ترجمه عن الانجليزية ناصرة السعدون، يتساءل: كيف رفض الكثيرون، ومنهم بعض اليهود حرب فيتنام، واستنكروا جرائم الصرب في البوسنة والهرسك وروسيا والشيشان..

في حين يعجبون بالجيش اليهودي حين يقوم الآن بقتل المدنيين وهدم البيوت ومحاصرة القرى الفلسطينية؟

ويتساءل أيضاً: هل تظاهر المثقفون الإسرائيليون بأعداد ضخمة في الساحات العامة التي تماثل بنسلفانيا أفنيو، أو ساحة الطرف الأغر في الصين، وهل رفع اليهود الأميركيون أصواتهم ضد اليهود الذين يقتلون الفلسطينيين بالسلاح الأميركي؟ وهل احتج اليهود الروس على خرق حقوق الإنسان في الأرض المقدسة؟

يجيب الكاتب عن تساؤلاته قائلاً: إن عنصريتنا ليست أقل انتشاراً وأذى من عنصرية النازيين الألمان، والدولة اليهودية هي المكان الوحيد في العالم الذي فيه وحدات قتل قانونية، ويتميز بسياسة الاغتيالات، ويمارس التعذيب بمستوى ما كان يحدث في العصور الوسطى الأوروبية. وما يضاف للكاتب إسرائيل شامير أيضاً، إنه ينطلق من ضرورة وشرعية الاعتراف بالآخر، وبكل حقوقه، وعلى رأسها حق العودة الذي بات يتنكر له بعض العرب.

قبل وبعد

ورؤساء لبنان كما عرفتهم

يقول أسامة عجاج المهتار في تقديمه لكتاب اسكندر رياشي، هذا الكتاب جدير بإدراجه في المواد المقررة لتاريخ لبنان المعاصر، ولا أعتقد أن الناشئة في لبنان سوف يحتجون على ذلك، لأنه إذا كان الطالب في سن المراهقة يجد مادة التاريخ من أنشف المواد إطلاقاً، فإنه سيجد في التاريخ كما يقصه اسكندر رياشي مادة تثير فضوله واهتمامه وأحلامه الجنسية، وتضحكه قبل أن تبكيه، وتشعره بالعار من أجداده.

ولكن لماذا يتم الآن إعادة إصدار كتابي رياشي «قبل وبعد، ورؤساء لبنان كما عرفتهم» في كتاب واحد؟

تضيف المقدمة: الجواب بسيط، وهو أن الطبقة السياسية في لبنان بمختلف أطيافها، وفي مختلف المراحل، تريدنا أن نصدق أن تاريخ الفساد في لبنان يبدأ فقط مع ما سبقها من الحكم، وينتهي فور استلامها.. بينما اسكندر رياشي يقول العكس، إنه يؤكد أن الطبقة السياسية وليدة الفساد، وإن فلسفتها السياسية هي: إن وصلت إلى الحكم ولم تسرق، كنت غبياً جاهلاً.

إن هذا الكتاب الذي تقدمه دار «أطلس» للقراء اللبنانيين والعرب، يأتي في نحو464 صفحة، ويضم إضافة لموضوعاته المثيرة، صوراً أرشيفية تواكب وتدل على ما تناول من أحداث... وهو مساهمة في تسليط الضوء على حقيقة تاريخ لبنان، وينشر اليوم لكي لا يصطنع أحد للبنان تاريخاً مزوراً نكاية بتاريخ مغيب.

تاريخ سوريا ولبنان

تتحفنا دار «أطلس» أيضاً بجديدها عبر إصدارها لكتاب «سياسة فرنسا في الشرق الأدنى والبعثة السورية ـ تاريخ سوريا ولبنان في عام واحد 18601861» وهو من الكتب الأولى التي تتناول وجهة النظر الروسية في هذه المرحلة،

حيث ترجمه زياد ملا عن كتاب لمارينا بانتيشينكوفا التي تحاول أن تلقي الضوء على سياسة فرنسا في الشرق الأدنى بعد حرب القرم، وتعرض، وتحلل مراحل البعثة السورية، كما تسعى إلى توضيح مسألة تغلغل الرأسمال الأوروبي في سوريا، والأساليب التي سلكتها الدول الأوروبية لإخضاع هذا البلد ونهبه، وما نتج عن هذه الأساليب من صراع طائفي ودبلوماسي وسياسي.

العلمانية على محك الأصوليات

من الكتب الفكرية التي تواكب حوار الأديان والحضارات، كتاب «العلمانية على محك الأصوليات اليهودية والمسيحية الإسلامية» لمؤلفتيه كارولين فوريست، وفياميتا فينر» ترجمة غازي أبوعقل، ومن إصدار رابطة العقلانيين العرب ودار بترا..

ويرى الكتاب إنه مهما اختلفت الأصوليات التوحيدية الثلاث ومهما تنافست فيما بينها في ادعاء التمثيل الأحق للقانون الإلهي، فإنها لا تتوانى ثلاثتها عن تحييد خلافاتها لتتآزر وتتعاضد في مواجهة العلمانية والديمقراطية، لأنهما تأخذان بالقانون البشري.

ويرصد الكتاب الحركات الأصولية في المشرق وفرنسا وأميركا وإسرائيل.. ويبين كيف تؤدي الأصوليات الثلاث إلى الخدمة لبعضها بعضاً سواء عن تخطيط متعمد، أو بصورة تلقائية نتيجة لتلاقي مصالحها، وكيف تعتمد جميع الحركات الإيديولوجية واللاهوتية والسياسية التي تنتمي إليها أساليب متماثلة في العنف والأذية عندما تستشعر أية خسارة أو هزيمة مهما صغرت..

ويسلط الكتاب أيضاً الضوء على التكتيك الذي تتبعه هذه الحركات في خلق أجواء من التوتر والفوضى في كل الساحات لإثارة الخوف والرهبة في النفوس ، إدراكاً منها أن الخوف يدفع بالأفراد دوماً إلى التعصب وإقصاء العقلانية، مما يتيح لقادة هذه الحركات فرض إرادتهم ووصايتهم على جماهير واسعة.

الشارقة ـ محمود أبوحامد