افتتح معرض كتاب الشارقة الدولي نشاط برنامجه المهني المصاحب للدورة الخامسة والعشرين مساء امس بمحاضرتين الأولى تناولت دور كتاب الطفل في العملية التعليمية تحدثت خلالها لورا كفوري مدير دار إلياس للنشر حول اهمية اختيار كتاب الطفل الذي يمكن ان يقوم بدور أساسي في العملية التعليمية، مشيرة إلى ان الاختيار هو الركيزة الأولى التي تقوم على عدة عوامل اهمها السن الموجه اليه الكتاب وارتباطه بميوله وتركيبه الفسيولوجي، واعتماد هذا الكتاب على مبدأ التفاعلية مما يسهل من تعامل الطفل معه، وكذلك دور المدرس الذي يعتمد المناقشة والحوار واختبار قدرات الطفل المختلفة.. كما تطرقت إلى الأساليب المطلوبة عند التعامل مع الكتاب العلمي الموجه للطفل ومنها الوصول إلى الدقة وتحقق الجاذبية في المادة العلمية..
اما المحاضرة الثانية فقد تناولت أفق صناعة الكتاب في لبنان والدور المطلوب في مواجهة الغزو وتحدث فيها كل من محمد إيراني رئيس نقابة الناشرين في لبنان ونبيل صادر أمين سر النقابة وناصر جروس من جروس برس، وقدم المشاركون الكاتب ماجد بوشليبي الذي أشار في مداخلاته التي تخللت المحاضرة إلى الدور الذي تلعبه صناعة الكتاب في لبنان مؤكدا ان ما تتعرض له يتماس بشكل مباشر مع حركة النشر العربية، كون لبنان لايزال قبلة الكتاب في الوطن العربي بالرغم من كل الظروف الصعبة التي عانى منها..
وقال محمد إيراني رئيس الناشرين اللبنانيين في ورقته ان تعرض لبنان بكافة مؤسساته لأبشع عدوان وغزو إسرائيلي حاقد في تاريخ العرب جعل الكتاب اللبناني ودور النشر اللبنانية في وضع صعب جدا، لكن الموقف العربي الرسمي والشعبي عموما وموقف دولة الإمارات العربية المتحدة خاصة، كان لهما بالغ الأثر في رفد لبنان بكل عناصر القوة والتوازن، بعد العدوان الغاشم والذي استهدف معظم بناه السياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية، وفي هذا المجال عبرت دولة الإمارات العربية المتحدة عن اصدق مشاعر التضامن والوحدة في الموقف الرسمي من العدوان، وفي معالجة تداعياته وآثاره عبر ترميم المدارس وتأمين الكتاب المدرسي مجانا في كافة المدارس الرسمية ولجميع المراحل التعليمية.
واشار إيراني إلى ان العدوان الإسرائيلي الغاشم قد ألحق أضرارا كبيرة مباشرة وغير مباشرة على قطاع النشر في لبنان، طال عددا كبيرا من المكتبات والمطابع ودور النشر اللبنانية.
من جانبه قال نبيل صادر امين سر نقابة الناشرين في لبنان إلى خسائر لبنان من الغزو الاسرائيلي في مجال قطاع النشر وحسب تقديرات أولية تراوحت بين 27 و30 مليون دولار تتوزع بين أضرار مباشرة بين دمار وخراب وتلف وأخرى غير مباشرة مثل الغاء طلبيات وتعذر التصدير بسبب الحصار الإسرائيلي البحري والجوي..
مشيرا إلى انه بالرغم من هذه الظروف القاسية الا ان اهل القطاع صمدوا وحرص الناشرون اللبنانيون على إثبات حضورهم في المعارض الدولية والعربية، فور توقف العدوان فشاركوا في معرض فرانكفورت الدولي وفي معارض اليمن والجزائر والكويت، وها نحن اليوم حاضرون بإصرار في معرض الشارقة، ان هذه الحركة النشطة بعيد الحرب هي فعل إيمان بلبنان وبصناعة الكتاب فيه وفعل تصد للعدوان ومقاومة لتداعياته الاقتصادية والاجتماعية.
اشار صادر إلى انه يجب الذكر بأن السوق اللبنانية ليست سوقا مغرية من الناحية الاقتصادية لا للمؤلف ولا للناشر، ذلك ان ضيق هذه السوق يجعل التطلع إلى الخارج وتحديدا إلى المحيط العربي أمراً محتوما لابد منه للتعويض عن صغر السوق المحلية وقلة استيعابها، لذلك وخلال فترة الغزو الإسرائيلي الأخير بادرنا إلى الشحن بواسطة البر إلى الأردن وبواسطة الجو إلى اي مكان في العالم ووصلت كلفة الشحن إلى الضعف.
واكد صادر على منافسة الكتاب بمنتجات قطاع المعلوماتية وانحسار الاهتمام بالمطالعة أمام ظاهرة التعلق بشبكة الانترنت، فان صناعة الكتاب نفسها أصبحت عرضة لمزاحمة شديدة من خارج قطاعها وهو امر يفرض على هذه الصناعة تحديات مستديمة يمكن اختصارها بكلمة واحدة هي النوعية، فكلما زادت جودة الكتاب تأليفا وإنتاجاً وإخراجاً تحسنت قدرته على مواجهة هذه المنافسة..
وتناولت ورقة ناصر جروس في ختام الجلسة إشكاليات الغزو الثقافي وتداعياته في مقابل مشروع مقاومة ومواجهة وممانعة تتشكل في ركائز أساسية لحماية الذاتية الثقافية العربية وكينونتها في زمن التحديات التي تفرضها ثقافة العولمة.
وقال جروس ان وسائل المواجهة التي نراها حضارية من وجهة نظرنا ممكنة التحقق وتتلخص في جملة خطوات منها تطوير قدرة النخب الثقافية العربية على تشكيل قوة معرفية تتفاعل إيجاباً مع الحداثة التي نعيشها في المرحلة الراهنة بثقة عالية بالنفس. وكذلك تعزيز دور القطاعين العام والخاص في مجال الاستثمار العلمي والثقافي وتشجيع حركة الترجمة التي تساعد على تبادل الأفكار واغناء عملية الحوار بين الثقافات، والعمل على اظهار صورة جديدة لثقافتنا العربية باعتبارها ثقافة تتمتع بقابليتها للانفتاح والتنوير، وتشجيع العلماء والمثقفين العرب على الإبداع والابتكار في جو من الحرية المنعتقة من كل قيد او رقابة وذلك ضمن اطار المسؤولية الثقافية الحضارية التي تندرج في سياق ردود الأفعال على الايديولوجيات التحاملية التي تنال من القيم الإنسانية.
هذا وقد أعقب قراءة الورقات الثلاث نقاشا حول مصير معرض بيروت الدولي للكتاب الذي تم تأجيله إلى وقت غير مسمى، وقال المشاركون في المحاضرة : ان التأجيل لا يعني توقف المعرض الذي يعد عميد معارض الكتب العربية وهو يعبر سنته الخمسين، وإنما لكي يستطيع التقاط أنفاسه من جديد.
اضاءة
لابد من ترسيخ القناعة التي تستند على الفرضية القائلة بأن كتابنا الثقافي العربي ولاسيما اللبناني لا يمكنه مواجهة الغزو إلا بتعزيز قدراته التنويرية ومساعدته على قراءة التحولات الجذرية التي يشهدها العالم المعاصر في ظل مناخ ثقافي ينشد الحرية والإبداع وان الإبداع لا يمكن أن يتبلور في ظل القهر والاستبداد والتضييق على حريات الكتابة والتأليف والنشر.
الشارقة ـ مرعي الحليان