في خطوة هي الأولى من نوعها عربياً، وربما عالمياً، قام نادي القصة التابع لاتحاد أدباء وكتاب الإمارات، بنقل نشاطه الأسبوعي إلى إدارة المنشآت الإصلاحية والعقابية في الشارقة، بالتنسيق مع المقدم فرج إسماعيل رئيس قسم التأهيل، والمقدم عبدالله المهيري مدير إدارة المنشآت.. وجاءت هذه الفكرة الفريدة حين التقى منسق النادي عبدالفتاح صبري مع المقدم فرج بخصوص مشاركة بعض النزلاء في مسابقة جائزة الشارقة للإبداع العربي، الإصدار الأول.

وكما يقول صبري، لفت انتباهه أن هذه المؤسسة «العقابية» تفتح الباب على مصرعيه أمام المبدعين النزلاء الذين يمتلكون أعمالاً منجزة، وأمام الذين يتلمسون طريق الإبداع، وتحاول أن تؤمن لهم شتى السبل للكتابة والقراءة والتواصل مع العالم الخارجي، سعياً من إدارتها الواعية المثقفة للاهتمام بالإنسان داخل هؤلاء النزلاء، بغض النظر عن ظروف وجودهم داخل هذه المؤسسة.

سحر الوهلة

بعد تجمع أعضاء النادي أمام مبنى السجن، استقبلنا مسؤولو إدارة المنشآت باحتفاء منقطع النظير، وتوجهنا إلى مكان اللقاء، فكان سحر الوهلة أن النزلاء لا يفرقهم عن الجميع إلا ثيابهم، يعاملون كزملاء وليس كنزلاء، رحب المقدم فرج إسماعيل بالحضور، وألقى المقدم عبدالله المهيري كلمة أشار فيها إلى أهمية هذه البادرة الطيبة التي قام بها اتحاد الكتاب،

وتمنى أن تتواصل في المستقبل لما فيه من استفادة متبادلة بين أصحاب المواهب والكتاب والمبدعين، ولما تقدمه للنزلاء من جوانب إنسانية تكمل دور إدارة المنشآت وتساهم في أغناء الجوانب الإصلاحية في المنشآت.. وقبل أن يبدأ عبدالفتاح صبري جدول أعمال اللقاء، تمنى المقدم إسماعيل أن يتخلله حوار بين أعضاء النادي والنزلاء حول إبداعهم، وإن كانوا يمتلكون موهبة الكتابة والرسم بالفطرة أم أن ظروف المكان دفعتهم لذلك؟

قصائد النبط

غلب على كتابات النزلاء الشعر النبطي، وإن تنوعت بحوره ومواضيعه، قدم كل من النزلاء مجموعة من القصائد، افتتح المشاركات النزيل حسن مبارك بقصيدة عن إساءة الرسوم الدانمركية لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

وختم مبارك مشاركته بقصيدة عن المغفور له الشيخ زايد، وقصيدة عن صاحب السمو حاكم الشارقة، ليأتي بعده علي زعال مرحباً بالحضور:

مرحباً مرحباً بضيوفنا ألفين ترحيب

ألف نبينها وألف نخبيها

الطيب في موقف الجود له طيبه

والشهامة طبعنا ما نخليها..

سعيد معتوق قدم قصائد نبطية، وأخرى فصيحة، ومن أصدقها كما يقول هي تلك التي كتبها في السجن، ومنه قصيدة وجع الماضي التي جاء فيها:

لتصوير وأحداث في بالي

لمكان وزمان غير بال

قصة الرجس الذي

يظهر في ثوب الطهارة

ولسان الخبث

ستخبئ في لطف العبارة

جائزة الشارقة

من الأعمال اللافتة لدى النزلاء رواية فيصل الشريان «بعيداً عن الزمن» فإضافة لكونها من الأسباب التي ساهمت بحدوث هذا اللقاء، من خلال مشاركتها في مسابقة جائزة الشارقة للإبداع العربي، الإصدار الأول، فإنها تدل حقاً على أن القائمين على هذه المؤسسات بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لا يألون جهداً في تقديم كل الإمكانات لهؤلاء النزلاء...

فالرواية تدل على أن صاحبها اطلع على الكثير من الكتب التاريخية والأسطورية والجغرافية والتراثية، ورغم أن مكتبة المنشآت فقيرة جداً ـ حسب ما قال ـ فان المشرفين قاموا بتأمين كل ما يريد من الكتب من الخارج، «وهذه دعوة للمؤسسات الثقافية العامة والمبدعين، والخاصة لرفد المنشآت الإصلاحية بالكتب», الرواية تتابع ملحمة جلجامش، فلا تتوقف عند دلمن بل تصل عبر المتخيل والاتكاء على الأساطير والحكايات الشعبية إلى الإمارات، عبر الأمكنة الأثرية وجزيرة الحمرا والعين والشارقة وطقوس الغوص..

ومن ثم التحولات التاريخية والاجتماعية واتحاد الإمارات.. الخ.. من خلال سرد حكائي ممتع يخلط الحقيقة بالوهم والسحر بالخرافة. قرأ الشريان مقاطع من روايته، ومن ثم قرأ قصة من قصص فهد فرج الذي يمتلك مجموعة بعنوان موهبة شيطانية يتحدث في قصة مشنقة الحب عن تجربته الحقيقية التي أوصلته إلى حكم الإعدام وهو لم يتجاوز بعد الثانية والعشرين سنة.. وهاهو بانتظار آخر فرصة ـ حكم النقض ـ كي يتقرر مصير.

الفنان التشكيلي فهد عبيد مازال الخارج في مخيلته، دار دفتره على الحضور ونالت رسومه إعجاب الجميع، فهو مهتم برسم الوجوه وخاصة أصحاب السمو، إضافة إلى الصحراء والإبل ودلال القهوة والمفردات الشعبية والبيئة الإماراتية.. الفنان فهد يمتلك موهبة، وهو بحاجة حقيقية لدعمها عبر تأمين كل الاحتياجات له إضافة إلى الدورات إن أمكن.

ضيف النزلاء كان عبدالله بن فهم، والطريف إنه أنهى عقوبته وخرج من السجن، لكنه عاد هذه المرة كي يشارك زملاءه القدامى هذا الحدث الفريد، وقدم قصيدة نبطية بعنوان جئت أقولك من أجوائها:

جئت أقولك

ابتعد عنك إليك

وأتركك طول العمر

وجدتك معي

شارك أعضاء النادي في اللقاء بقصتين الأولى لعدنان كزارة بعنوان «يوم تعانق السادتان» والثانية لمحسن سليمان بعنوان «ليلام». ودار حوار ثري بين الجميع عن السجن كمكان والإبداع كموهبة وفطرة ودور المؤسسات العقابية في الوطن العربي عامة مقارنة مع الدور المميز لها في الإمارات، وطبيعة العلاقة بين القائمين على المنشآت الإصلاحية والعقابية في الشارقة، والنزلاء، والدور التربوي والتهذيبي من جهة والتشجيع على الإبداع والعطاء من جهة ثانية..

وتمنى الجميع أن تساهم المؤسسات الثقافية في رفد المؤسسات العقابية بالكتب والاحتياجات الضرورية إضافة للتواصل المستمر مع النزلاء.

الشارقة ـ محمود أبوحامد: