أحتار أحياناً حينما أقرأ ما يسمى بالنقد لشخص لا علاقة له بالأدب، ولم ينل من التعليم إلا مرحلة متوسطة لا تساعده لكي يكون ناقداً، وحينما تحاوره، يجادلك بأنه ليس من الضروري أن يكون مطلعاً أو دارساً لمناهج النقد، وأبعاده، ويدعي أن له موهبة نقدية يتحدى بها طه حسين ولويس عوض، وعبد القادر القط، وغيرهم عجبي !!

ويفاجئك ثان بأنه أصبح كاتباً وهو لم يكمل المرحلة الابتدائية وحينما تسأله كيف كتبت هذا الكتيب، يقول لك كنت أمليه على شخص ما وهو يكتب لي، وحينما تقرأه تتحسر على ثمن الورق.

وما راجعت طبيباً إلا بعد أن تأكدت من اختصاصه، خوفاً من وصول العدوى إلى علم الطب، وعلم الهندسة، والعلوم الأخرى.

وقد استقبل كل هذه الخروقات بهدوء، لا يماني بأنه لا يدوم ولا يبقى إلا الجيد، أما الفقاعات فسرعان ما تغيب على الرغم من أنها تأخذ حيزاً كبيراً أحياناً.

كثير من المهتمين للفن والأدب، يكتبون بكل شيء، ويمارسون كل أنواع الفنون، حتى لتعجز من أن تجد حقلاً لم يمارسوه، وننسى أن العباقرة أمثال شابلن وانشتاين وجبرا إبراهيم جبرا، أنور وجدي، وقلائل في التاريخ الإبداعي الإنساني، لكنك تضطر للصمت أمام تسميات مهولة مخيفة، «فنان شامل» وفنانة «شاملة» وكاتب كجول حطاب أو «ليلام» تجد في جعبته كل شيء إلا الأدب الحقيقي.

وكل ذلك أتقبله ببرود، وبهدوء، وأتمنى لو تذكّر هؤلاء الناس القول المأثور «رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه» لكن ماذا نفعل وقد انطبق عليهم المثل المصري «واخد في نفسه ألم».

لكن الذي يخيفني حقاً ويقلقني، جمهرة من أنصاف كتاب، وأرباع فنانين، تركوا شريحتنا نحن الذين نستطيع أن نكشف سطحيتهم، إلى ثقافة الطفل، من مسرح، وكتابة، وغناء، وتشكيل، وما إلى ذلك، واستسهلوا العمل مع هذه الشريحة، ومما يؤسف أن لا رادع لمنع هؤلاء من جعل أطفالنا حقلاً لتجارب سطحية لا تؤثر في الطفل إلا سلباً، وتمارس هذه الشريحة إرهابا من نوع خاص تحت تسميات مختلفة، وقد أصبحت ظاهرة في حقل ثقافة الطفل بشكل عام والمؤسف أن بعض المؤسسات قد منحتهم الضوء الأخضر.

إن التصدي للكتابة للطفل، أو لمسرح الأطفال، أو فن تشكيل الطفل، أو لكل ما يمت لإبداعات الطفولة والخطاب الموجه لهم، لابد أن يمر عبر مجموعة من المتخصصين، والأكاديميين، ولا بد من الإقرار أن الإبداع اليوم لا يعتمد على المواهب فحسب، بل يحتاج إلى التأهيل الأكاديمي والمعرفة الموسوعية، والتدريب والدربة، والتجربة والإطلاع اليومي لآخر ما وصل إليه العلم.

لم يعد الطفل ذاك الذي كان ذات يوم محدوداً في معلوماته، كثير من الأطفال تجاوزوا العديد من مراحل لم يمر بها الكبار، إن أطفالنا اليوم يتقنون التعامل مع أجهزة الكمبيوتر، والإنترنت، وجمعيهم يلعبون العديد من الألعاب الإلكترونية ويعرفون من المعلومات ما يجهله الكبار، ووسائل التربية الحديثة نقلتهم إلى عوالم جديدة غير تلك التي ما زال بعض أنصاف الكتاب وأرباع الفنانين يتشبثون بها وهي مثال للسطحية والسذاجة والتخلف، حتى في الأفكار التي يطرحونها والوسائل التي يتعاملون معها، وكل ذلك يخاطب به جمهرة الأطفال، ونسمح نحن بذلك، حتى بصمتنا غير المبرر.

الطفل مسؤولية المجتمع وليس مسؤولية الوالدين أو الدولة، وإذا ما تهاونا في معالجة هذه الظاهرة على كافة الأصعدة والمستويات فإننا سنخلق مجتمعاً أعرج وأهوج وغير متوازن في المستقبل.

ما عاد الفن منعزلاً عن العلم، ولا المسرح، والأكاديميات المعروفة في العالم تدرس العلوم المسرحية وليس فن المسرح فقط، وسيكولوجية الطفل تختلف عن سيكولوجيات المراحل الأخرى للإنسان، ورسوم الأطفال لا تخضع لتوجيهات مدرس الوسائل، وكل مرحلة عمرية لها خصائصها وتوجهاتها ووسائلها، وعلماء التربية قسموها واتفقوا عليها بلا جدال والمثال على ذلك مراحل الدراسة النظامية من الروضة حتى التعليم الجامعي مروراً بكل المراحل.

abdulelah_q@hotmail.com