بكل تأكيد، لم يكن حفل افتتاح الألعاب الآسيوية مجرد فقرة ضرورية على طريقة استيفاء أوراق انطلاق الآسياد.

ولم يكن كذلك مجرد مشهد قصير يروي «حضارة» آسيا، بل كان قصة طويلة تحكي التاريخ الآسيوي كله بكل ما فيه من حقائق وأساطير تخلب عقول سكان الكون.. بيد أن أهم ما كان في الحفل.. أو بتعبير وكالة «رويترز» للأنباء العالمية «أروع ما في الحفل» كان رحلة وصول الشعلة على يد الشيخ محمد نجل أمير قطر الذي خرج من منصة عملاقة مصنوعة من البرونز وكأنها شمس تشرق من الأرض وهو يمتطي صهوة جواده لينطلق بالشعلة صعوداً نحو قمة الاستاد قبل أن يرفع يده ليوقد شعلة الألعاب الآسيوية التي كانت على شكل الاسطرلاب العربي الذي يمثل مرحلة التطور العلمي عند العرب في القرون الماضية، لتنتقل الشعلة بعد ذلك إلى قمة برج الشعلة الذي أنار الدوحة وسط تصفيق وهتافات أكثر من 50 ألف متفرج ملأوا استاد حمد بن خليفة.

كان مشهداً موحياً وخلاباً، وكأن التراث العربي (الفارس والجواد) يخترقان الكرة الأرضية بأقصى سرعة، وهو ما حدث تاريخياً عندما أضاءت الحضارة العربية الإسلامية الكون بمعارفها وقيمها وعلومها.

ولم تكن قصة اختراق التراث للأرض قاصرة على مشهد «الفارس والجواد» وحسب، وإنما كان محور الحفل أيضاً حكاية صبي يحلم باكتشاف اللؤلؤ (تراث) وإنقاذ عائلته من الصعاب التي تواجهها بأن يصبح بطلاً لشعبه وإنساناً يبحث عن الحقيقة والفضيلة، مذكراً الجميع بحكايات السيرة الهلالية التي تحكي وتروي قصة بطل شعبي ترسخ في الوجدان الإنساني والعربي، وفي نهاية مشهد الصبي، تحوّلت أرضية الملعب إلى بحر يشهد رحلة الصبي خلال حياته، ثم اخترقت سفينة شراعية من طراز «السنبوك» على شكل حرف «القاف» وعلى متنها شخص يرتدي لباس بحار قديم في مشهد يرمز إلى علاقة قطر القديمة جداً مع البحار خصوصاً وان ساحل الخليج يشتهر باللؤلؤ.

وكان المشهد مثيرا جدا عندما تحولت ارض الملعب إلى بحر هائج كاد يقلب السفينة ويودي بحياة البحار الذي استعان بآلة الاسطرلاب، وهي آلة كان يستعملها البحارة قديما لتحديد وجهتهم خصوصا عندما تتقاذفهم الأمواج، ليجد نفسه في قارة آسيا.

وجسدت اللوحة التالية قدم وأصالة قارة آسيا اكبر قارات العالم التي يعود تاريخها إلى خمسة آلاف عام وألقت الضوء على ثقافتها وحضارتها وتقاليدها المتنوعة بدءا من شرقها وصولا إلى المنطقة العربية والخليجية.

ورسمت على ارض الملعب ست لوحات رائعة على شكل عربات متنقلة تمثل حضارات شرق آسيا المختلفة خصوصا للصين واليابان واندونيسيا في مشهد متناغم وراقص غلبت عليه الأضواء والألوان.

وكانت لمحة عن المنطقة الخليجية التي بدأت بأغنية عن البحر، أعقبتها لوحات راقصة ثم دخلت فرقة من الخيالة للدلالة على الجواد العربي الذي يعتبر من أفضل سلالات الخيول في العالم خصوصا من ناحية الجمال والتحمل حيث كان رفيقا أمينا في الصحراء الشاسعة التي كانت مجسدة على ارض الملعب على شكل طبقة من الرمل.

وجسدت اللوحة التالية العصر الذهبي للعلوم العربية وسلطت الضوء على مشاهير ما زالت أعمالهم وانجازاتهم تؤثر في علوم اليوم وأبرزهم البيروني الذي طور آلة الاسطرلاب والخوارزمي الشهير في علم الرياضيات، وجابر بن حيان الذي ترك مأثر في الكيمياء، وابن الهيثم مؤلف كتاب «المناظر» الذي طرح فكرة أن أشعة الضوء تنتقل في خطوط مستقيمة وفي كل الاتجاهات.

وانتقلت الأمانة إلى الجيل الجديد الذي نعم بثروة النفط والغاز الطبيعي فبزغ فجر جديد لبناء مدينة المستقبل على أسس التراث والثقافة والتعليم.

وأبرزت لوحة رائعة غنى دولة قطر بالغاز الطبيعي واستخدمت فيه آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا الحديثة لإنتاج وقود من الغاز المسيل العالي الجودة والخالي من الكبريت ما سيخفف حدة تلوث الهواء.