نائل الطوخي كاتب مصري شاب ،صدرت مؤخراً روايته الأولى «ليلى انطون»، التي يقدم من خلالها عالماً بالغ الكثافة، حيث يصنع على مهل غابة متشابكة الأغصان والفروع، وكلما ازدادت تقدماً في الرواية ازدادت الغابة تشابكاً وتداخلاً يمسك بك ولا يتركك! إلا في آخر صفحات الرواية وقد أنهكت في المتعة.
وصدرت له مجموعة قصصية واحدة تحت عنوان «تغيرات فنية» صنع فيها أيضاً عالماً فانتازيا، استعمل فيها عدة تقنيات في القص واستكمل أبطالاً من الحكايات الشعبية وسط أجواء تغيب فيها التفاصيل الواقعية وحتى الملكية القديمة مشكلاً عالما يخصه وحده ،له مفهومه الخاص عن الأدب والكتابة.
والعلاقة الثلاثية الشهيرة بين الكاتب والنص والقارئ، تمثل الكتابة لنائل الطوخي اختراق طرق جديدة وليس المشي في طرقات قديمة ومطروقة من قبل الجميع، في رواية «ليلى انطون» نجد شخصيات تولد من نظرات الحيوان في المرايا، وزوجة تأكل أزواجها كالجمبري لتمثل ليلى أنطون عند نهاية قراءتها إعلانا عن وجود كتابة جديدة بدأت في الإعلان عن نفسها كتابة لا تهتم بالشعارات والقضايا، بقدر ما تهتم باللعب بالشعارات والقضايا، حول رؤيته للكتابة وتجربته الروائية الأولى كان لنا هذا الحوار:
«ليلى أنطون» كانت بطلة إحدى قصصك القصيرة شيكولاته، مما جعل المتابع لأعمالك يظن عند الوهلة الأولى أن لديك توجهاً أو مشروعا ما لبناء نموذج معين للمرأة تحت اسم ليلى أنطون.
ـ وقت كتابة القصة كان هناك عدة أحداث تتعلق بالأقباط منها إقامة عدة دعاوى قضائية على فيلم «بحب السيما» وقضية «وفاء قسطنطين» فأردت وقتها أن أبين أنه من الممكن أن يكون الشخص مسيحياً، وفى نفس الوقت هو إنسان عادي يمكنه أن يكون بطلا لعمل أدبي، ثم أحسست أنه من الممكن العمل على هذا الموضوع.
ـ طبعاً القصة مختلفة عن الرواية تماماً، فالقصة تحمل متعة جمالية، أما الرواية فتحمل متعة ذهنية أو فكرية أكثر، لم أكن أريد أن استخدم شخصاً قبطياً لكي يتحدث عن الوحدة الوطنية، أو عن علاقته الحميمة بجيرانه المسلمين، كنت أريد ببساطة توضيح فكرة أنه إنسان عادي يمكن أن تستخدمه كشخصية روائية بدون الإشارة المتكررة إلى دينه.
ـ لكن ليلى أنطون وشخصياتها يبدون مجردين تماماً من أي علاقة بالمجتمع الذي يفترض أنهم يعيشون فيه.
ـ هذا هو ما أريده فأنا حريص في الكتابة أن أكون خارج أي هم اجتماعي، تلك هي مشروعيتي أمام نفسي: البعد عن أي منطقة ذات بعد اجتماعي، وأن أبدأ العمل في منطقة مغايرة تماماً، لكن في النهاية يبقى أنك ابن مجتمع معين بكل ما فيه من ظروف، ولابد أن تظهر بعض الثغرات التي يتسلل منها هذا المجتمع، وهذا المجتمع نقطة ضعف.
جيل التسعينيات
ـ جيل التسعينات كان يرفع شعارات «سقوط الأيديولويا»، «سقوط القضايا الكبرى» وكانت هذه المقولات تتصدر مشروعه، هل يمكن اعتبار إنك تكمل هذا الاتجاه؟
ـ لا أعرف أنا أرى أن هناك مشكلة في التعامل مع جيل التسعينات ككتلة واحدة فميرال الطحاوي تختلف عن «مي التلمساني»، وهما مختلفتان تماماً عن منتصر القفاش أو مصطفى ذكرى، فالبعض منهم لديه هم اجتماعي والبعض هموم وأهداف أخرى، ولكني أتفق معك أن الأكثر صخباً هو فريق «سقوط القضايا الكبرى» .
وقتها عندما كان يقدمهم أدوار الخراط كان يقول إن سقوط الأيديولوجيا هو في حد ذاته أيديولوجيا وهنا يمكن أن نلاحظ أحد الفروق الجوهرية بين الحداثة وما بعد الحداثة، إن الحداثة تسقط الدين التقليدي، وتؤسس دينا بديلاً في المواجهة أياً كان اسمه الصناعة القومية العقلانية الاشتراكية، وما إلى ذلك ما بعد الحداثة تضع كل الأديان بجوار بعضها البعض بالتساوي تفضل أحدا منهم على الآخر.
فأنا لا أرفع شعار «سقوط القضايا الكبرى»، ولكن «اللعب بالقضايا الكبرى» أنا أتحرك بين كافة الحدود والفواصل، لكن يصعب تحديد موقفي ومن أؤيد ومن أعارض الأهم السخرية واللعب بكل القضايا والشعارات فأنا لا أؤسس لأي قضية كبرى ولا حتى قضيتي الشخصية جيل التسعينيات أسس بدائله وهو «سقوط القضايا الكبرى».
ـ لكن ألا ترى أن هناك من سبقك إلى موضوع السخرية واللعب مثل مصطفى ذكري على سبيل المثال؟
ـ لا مصطفى ذكري عنده عناصر أخرى كثيرة، وهنا يجب أن نفرق بين مستويين عند التعامل مع التسعينيين، على مستوى الخطاب الذي يطرحه جيل التسعينات ومستوى الكتابة الإبداعية على مستوى الخطاب يطرح ذكري شعار سقوط القضايا الكبرى ولكن على مستوى الكتابة لن يظل يصرخ ويكرر أن القضايا الكبرى قد سقطت ولكن عنده جو خاص من الغموض والرعب.
لكن ما أتحدث عنه ـ اللعب بكل الأفكار ـ ستجده بقوة عند بورخيس وعلى النقيض منه لوكنديرا وثمة فارق جوهري بين الاثنين كونديرا كاتب ذو مظهر لعوب جداً أو هكذا يبدو، لكن في داخله تأمل شيخا حزينا، تشعر أن يصدر حكماً كونية واحدة تلو الأخرى، في حين بورخيس يكتب قصصاً في صورة مقالات أو أبحاث، فهو كاتب رزين جداً فيما هو ظاهر، ولكن في الداخل هو يلعب بكل الأفكار ولا ينحاز إلى أي منها، بورخيس كاتب ذو مظهر رصين يخص كاتبا لعوبا، وكونديرا كاتب ذو مظهر لعوب، وفى داخله كاتب رصين جداً.
كونديرا له جوانب أخرى فهو فتح الرواية على مجالات أخرى، مثل الموسيقى والنقد الفلسفة وغيره، ليس لديه أي حرج من أن يتحدث في موضوع نقدي مثلاً ولكنه يفعل ذلك بمنطق رصين جداً على عكس بورخيس.
كاتب وقارئ
ـ في ظل مجتمع ترتفع فيه نسبة الأمية بجميع أنواعها، هل ترى لهذه الكتابة جمهورا أم أن فكرة الجمهور لا تشغلك بالأساس؟
ـ أكيد كل كاتب يجب أن يقرأ على مستوى أعلى واسع، ولكن فكرة أن يربط نفسه بالقارئ فهذه فكرة مبذولة، لأنها أحد التنويعات على فكر ماذا يريد القارئ وأنا ككاتب علي أن أقدمه له، وهي فكرة فجة لأني في النهاية أكتب لنفسي.
ويفترض أن يتغير القارئ بعد القراءة، فأنا أقود القارئ لا العكس وعملية القراءة تحكمها جدلية معينة، فالقارئ يعيد كتابة النص عند قراءته، ولكن وأن أكتب ثمة فكرة في دماغي وهي أن أعيد كتابة دماغ القارئ فبقدر ما يعيد القارئ كتابة نص بقدر ما أريد أنا أن أعيد كتابة دماغه.
القاهرة ـ محمد فرج
(وكالة الصحافة العربية)