ضمن تواصل أيام مهرجان الإمارات لمسرح الطفل، قدمت فرقة خورفكان للفنون مسرحية (غربان في الجزيرة) من تأليف ناصر الكرماني، وإعداد وإخراج مرعي الحليان.. تبدأ المسرحية بأصوات للتلاميذ خارج صفوفهم، وعلى الخشبة مقاعد وسبورة، تدل على وجود صف مدرسي، به زينة وكيك وهدايا... كمؤشر لوجود احتفال ما،

وفجأة يدخل طالبان من نافذة الصف، يتساءلان عن مناسبة هذا الاحتفال ويعبثان بأغراضه، ويكسران الزجاج حين يلعبان بالكرة، ويؤسسان،باختصار، لمواصفاتهما كمشاغبين.. كل هذا في الوقت الضيق ما قبل دخول الطلبة أو التلاميذ للصف، وحين تكون المفاجأة، وتدور الأسئلة بين التلاميذ والمدرسة (سوسن) حول من فعل ذلك في الصف، يدخل الأستاذ (صالح) ومعه المشاغبون، وبعد حوار سريع تصل المدرسة والأستاذ إلى وعد من قبل المشاغبين على أن يكونا مؤدبين كي يشاركا الصف في رحلة إلى جزيرة الطيور..

كل هذا يتم في تصعيد درامي متواتر ترافقه الحركة المرهقة للمثلين دون ضرورة.. وحين تكون الإجابة عن سؤال مناسبة الاحتفال هي (يوم الأرض العالمي) ترافق ذلك الأغنية الأولى في المسرحية- والأغاني من كلمات وألحان عادل خزام، والتوزيع الموسيقي لفهد الجسمي - تبدأ المفارقة الأولى في التصعيد التراجيدي للكلمات التي تفرش كمقدمة للمسرحية التي ستحكي في جوهرها عن الخير والشر،

وهذه النقلة ليست إشكالية من حيث المبدأ، لكن اشكاليتها تكمن في الهدوء المفاجئ للتلميذين المشاغبين، وهي هنا يمكن ببساطة تجاوزها، لكن ما لا يمكن تجاوزه هو النقلة الكبرى من الصف إلى غابة ليست محددة الملامح، فلا هي استوائية ولا مدارية ولا واحة في الصحراء ولا... فيها نخيل وقصب سكر وجذور هوائية وأشجار مثمرة ونباتات متطفلة..

وهذا ما جعلنا نظل في الأجواء التي فرضتها علينا مسرحيات هذه الدورة، وهي مملكة الحيوانات في الغابة - ولا أدري لماذا لم تحضر الصحراء كبيئة؟ - رغم أن المسرحية لم تتحدث بلسانهم، لكن السينوغرافيا لم تختلف مقوماتها عن باقي العروض، وعنوان المسرحية وأسماء الشخصيات أضافا إلى ذلك الحالة المتجانسة للحكايات التي تدور في الطبيعة، وتأخذ من الخرافة مرجعية لها..

النقلة الكبرى هذه كان بإمكان المخرج تجاوز كل مفارقاتها غير المنطقية بأن تحكي المدرسة للتلاميذ بمناسبة يوم الأرض حكاية عن هذه الجزيرة، ويمكن للسينوغرافيا عامة ولعبة الإضاءة والضباب، نقل الجميع إلى تلك الأجواء والعودة بهم بعد نهاية المسرحية إلى الصف ذاته، ويكون الاعتذار حينها عن الذنب البسيط الذي تم ارتكابه في الصف..

والأطفال يمكنهم ببساطة التفريق بين الحلم والواقع والحقيقة والخيال، ولكن لا يمكنهم أبداً التفريق بين الفنتازيا واللامعقول،وبين الواقعية والتجريدية وبين وبين.. بين كل هذا الخلط الذي يحدث في المسرح بحجة تجاوز المدرسية ومواكبة الحداثة وما بعدها..

تجاوز كل ذلك يمكنه أن يحدث بمشهد أو حتى بحوار، لكن المخرج، أو النص الأصلي، يأخذ الطلبة - وربما كواقعية فجة - إلى جزيرة عجيبة، تختلط فيها الحقيقة بالخيال،المشهدية بالسرد، تدور الأحداث كيفما اتفق، يغيّب المخرج من يشاء عن الخشبة ويعيد من يشاء، تتابع الأحداث بوجود بيضة كبيرة في هذه الغابة الجزيرة، يجدها صدفة الطالبان المشاغبان،

وبعد حوارات طريفة تلامس الأطفال وتثير فضولهم تكون البيضة خارج كل التوقعات، فلا تكون بيضة الرخ التي نعرفها من السندباد البحري، ولا بيضة الديناصور كما يتوقع أطفال الصالة، تكون البيضة مختبرا لعالم بيئي يبحث في الغابة عن خير البشرية.. وهي مفارقة ربما يستوعبها خيال أطفال الصالة،

وفي المقابل ثمة عالم شر يصل إليه التصعيد الدرامي المفاجئ بخطف الطالبين المشاغبين كي يجرب عليهما اختباره في اختراع شراب يحول الإنسان من خيّر إلى شرير.. وهكذا تنفلت إيقاعات العمل وتتبدل وتيرتها، تنخفض لدرجة الملل في مشهد صناعة الشراب الساحر، ويبدو أن المبرر لهذه الإطالة غير تسليط المخرج الضوء على قدرات ممثله (غربان) الذي يبدي تجاوباً متألقاً..

وترتبك المشاهد بسجن الأستاذ والمدرسة، وتطاول التلميذين المشاغبين عليهما لدرجة تتعدى الحدود التربوية المراد إيصالها للطفل، حتى ولو تناولا شراب الشر إياه، وتتداخل القضايا الماضوية (المدرسة) مع الحاضر المعاش (الجزيرة) بطريقة مباشرة وتقريرية، من المحاسبة على قص الشعر وتقليم الأظافر إلى ترتيب الثياب والاهتمام بالدروس..

وكل هذا يضيع هوية التلاميذ ومستويات وعيهم، فلا يمكن للمشاهد تحديد في أي صف هم أو ما هي قدرتهم العقلية، إذ يتفوهون بسخافات تارة، ويتناولون قضايا مهمة تارة أخرى..

ينقذ الموقف عالم البيئة باختراعه لشراب خير مضاد لشراب الشر، وتنتهي المسرحية بانتصار الخير والاعتذار.. والاعتذار لا يكفي، فالتطاول على المدرس والمدرسة لا يمكن أن يستوعبه الطفل بشكل عام، وإن استوعبه كحالة خاصة نتيجة تناول شراب الشر، فالمبررات ستكون أخطر من النتيجة ذاتها..

المسرحية تحدد بوضوح هدفاً نبيلا وهو انتصار الخير على الشر وتشتغل عليه منذ البداية، يهيئ المخرج بدقة استعدادات شخوصه الشريرة للوصول بها إلى مداها الأخير، من المشاغبة في الصف مثلا إلى ارتكاب المعصية والعنف.. السعي لتوصيل المفاهيم الخيرة يكون مباشراً وهزيلا أحياناً، ويتنامى مع الأحداث أحياناً أخرى..مكملات تحقيق كل ذلك تسير بتطور ودراية تجعلنا نقول إن الحراك المسرحي في الإمارات أسس لركائز تقنية متطورة في التعامل مع تلك المكملات بشكل عام..

التعامل مع الممثلين أخذ ثلاثة مناح في هذه المسرحية، الأول ضعف الاداء التمثيلي عند البعض، رغم جهد المخرج الواضح، وتألق البعض الآخر وخروجه حتى عن سلطة المخرج، المنحى الثالث هو الاستلاب للمخرج تماما.

وبشكل عام، وربما من منطلق الأعور ملك في بلد العميان، تعتبر هذه المسرحية هي الأقرب إلى أطفال الصالة، والأكثر منطقية في التعامل مع الحكايات والموروث الشعبي، وإن أخذت من الخرافة ظلاً ما لتمرير لعبة الشراب الساحر، فهي قريبة جداً إلى أبسط أفلام الكرتون التي يشاهدها الأطفال يومياً..

محمود ابوحامد