كثيرة هي الانتقادات والآراء التي وصلتني تعقيباً على إشراقات الأسبوع الماضي والتي تناولت فيها أحلام أدونيس الضائعة، وسعيه المشكور ومغازلته الغرب في كل عام، علّ أحدا يلتفت إليه ويغدق عليه حلّة نوبل البهية، التي ستصعد به إلى عنان المجد، كما يظن دائماً أنه في علياء الشعر، فارس، مبدع، صاحب الأفضال الشعرية التي لا تنتهي.

ومع أنني أؤكد هنا أنني لن أخدش مشاعر شاعرنا الكبير، إلا أنني تعمدت في زاويتي السابقة أن أغمز من قناة كل من يطبّل ويّزمر ويهلل، دون أن يعي أن المبدع الحقيقي معرض للنقد كما هو معرض للثناء والتقدير، فما يكتبه الأديب ليس مقدساً لدرجة لا يجوز الاقتراب منه، وما تجود به قريحته الشعرية قد لا يكون بالمستوى الذي عودنا عليه.

ربما تكون الهالة الإعلامية التي ترافق هذا المبدع سبباً في تضخيم موهبته، وإظهارها بصورة أكبر مما نعتقد، فكم من المرات تابعنا الدعايات والقراءات النقدية التي تتحفنا بها وسائل الإعلام عن أعمال أدبية أقل ما توصف بأنها إضافة لمكتبة الفكر العربي، وعندما نقرؤها منفردين نكتشف عكس ما كتب عنها، في نفس الوقت الذي تغفل فيه هذه الوسائل عن تقديم عمل جيد يستحق الإضاءة والتنويه.

وربما يمتلك المبدع نفسه اكسير النجاح وتسويق إبداعاته بطريقة ملفتة لا تمر مرور الكرام، تماماً (كالكاريزما) التي يتمتع بها بعض الشعراء والتي تحول كل ما يقولونه إلى شعر ولا أحلى، يدخل القلوب دون استئذان، يؤسس لذاكرة تحتفظ بأدق التفاصيل.

قد يقول البعض ان أدونيس ظلم أكثر من غيره، وهذا كلام صحيح بلا شك، لكنه بالمقابل لم يترك نفسه مظلوماً، بل دافع عن آرائه وأفكاره، وسفّه الكثير ممن انتقدوه وكتبوا عنه بموضوعية.. لماذا لا نعترف أنه تأثر بشعراء العربية والفرنسية لدرجة تقترب من حدود السرقة الأدبية؟

ولا نرى عيوبه وهو يلهث إلى نوبل، وكأن الدنيا تدور كلها حول هذه الجائزة التي لم تسلم يوماً من النقد الموضوعي؟ وهل العالمية لا تكتمل إلا عبر بوابة هذه الجائزة؟ مع أنها لا تمنح إلا لمن يقدم أعمالاً إنسانية على درجة من الاحترام للثقافة التي تنتمي إليها، فهل احترم أدونيس الثقافة العربية بنفس الدرجة التي دعا فيها إلى تقبل ما يسمى بثقافة التطبيع، بحجة أنه ما دام هذا العدو موجوداً فلم لا نتعرف على إبداعاته المتشرذمة المجمّعة من كل الأصقاع، والمذيّلة بتوقيع مزيف لا ينتمي إلى المكان المحتل العنوة، ولا إلى الأرض التي تتنفس عروبة ونقاء.

أما آن لهؤلاء أن يستيقظوا من رقادهم ويعلموا أن لا أدب يعلو فوق صوت الضمير، أما آن لأدونيس أن يتخلى عن أوهامه وأحلامه، أم أن الوقت لم يحن بعد، ما دمنا (أمة ترى حاضرها بعيون ماضيها) على حد تعبير شاعرنا المحترم.

alomawi@albayan.ae