أعلنت أخيراً نتائج جائزة الإمارات التقديرية بدون تكهنات أو ملابسات كما هي العادة مع جوائز الدولة في أقطار عربية أخرى، وفي تقديري أن جائزة الإمارات التقديرية، هي الأهم بين الجوائز لأنها تمثل الإمارات وترابها وسماءها وتاريخها، ولأنها تتويج لجهد طويل لأبنائها ولرواد ثقافتها وطليعة مبدعيها.

إضافة إلى الوسط الثقافي والعلمي بعد هذا التطور الملموس والمتميز، والجائزة تأتي في وقت مناسب جداً، ونحن أمام عدد كبير من المبدعين في حقول المعرفة المختلفة، من باحثين، ورجال علم، وشعراء، وقصاصين وروائيين ومسرحيين وفنانين، هؤلاء لم يملأوا ساحة الإمارات بنتاجهم الإبداعي فحسب بل أصبحوا أعلاماً في الساحة العربية الأوسع.

أما نتائج الجائزة المعلنة، فلم تذهب بعيداً عن كل التوقعات، على الأقل لواحد مثلي عاش أكثر من ربع قرن على هذه الأرض الطاهرة المعطاءة وكان لي شرف زمالة وصداقة كل الفائزين، بل عملت ميدانياً مع معظمهم حتى لأشعر أنني أحد الفائزين بفوزهم.

ورغم عدم تخصصي العلمي فلا يمكن لأحد منا أن يتجاهل دور الدكتور نجيب الخاجة من خلال ما نقرأ له وعنه، خاصة فيما يتعلق بمركز الجينات في دبي، هذا العلم الأكثر أهمية في عصرنا الحاضر، وقد يكون العلم الأساسي للسنوات القادمة من هذا القرن.

أما الدكتورة فاطمة الصايغ، المعروفة بكتاباتها في تاريخ المنطقة عموماً، والإمارات خاصة، والتي تعتبر واحدة من أهم الكتابات التي تغطي نقص المكتبة المعلوماتية والتي قد نحتاج إلى مزيد من جهد المحتفى بها والأخوة المتخصصين بعلم التاريخ، إضافة إلى أنها نموذج للمرأة الإماراتية العاملة والمؤثرة في المجتمع، والتي يحتذى بخطواتها، ومربية فاضلة تخرج من خلال خيمتها العشرات بل المئات من بنات الإمارات.

أما الأديب محمد المر، فلا اعتقد أن أحداً يستطيع أن يكتب عن القص في الإمارات دون الرجوع وبالتفصيل إلى كل ما كتبه المر من قصص، «طبعت عدة طبعات»، ويشكل نتاجه الجزء الأكبر من تاريخ القص في الإمارات.

وهو يمتاز أيضاً بأسلوبه الواقعي الحديث، الذي ارتبط بذاكرة الإمارات، وواقع الحياة لا المعاصرة فحسب بل وحتى قبل ظهور النفط أو قيام دولة الاتحاد، عشرات القصص التي جاءت بمجموعات قد لا ينساها أي قارئ مثل «حبوبة، الفرصة الأخيرة، الصوت الناعم، صداقة، شيء من الحنان، المفاجأة، مكان في القلب، نصيب، قرة العين، ياسمين»، وغيرها إلى جانب ما يكتبه بشكل مستمر في الصحف السيارة والمجلات، محمد المر ذاكرة الإمارات وأديبها الذي يشار له بالبنان، وهو من نوعية الأدباء الموسوعيين في المعرفة العامة والثقافة التخصصية.

عيد الفرج.. صاحب الألحان والأغاني والمساهمات الموسيقية الإبداعية، تاريخ حافل بالعطاء والتجدد، وقد عرفته عن قرب وشاركته وشاركني في العديد من المسرحيات التي كانت واحدة من المؤشرات في الحياة المسرحية في الإمارات، غزير في معرفته بالتراث الموسيقي الخليجي والعربي.

وإذا كان قد أسس أول فرقة موسيقية في الإمارات فهو أيضاً من رواد حركة المسرح التي بدأت في عجمان قبل قيام دولة الاتحاد ومن خلال النوادي الثقافية التي كانت واحدة من الأسس التي نهض عليها المسرح وبقية الفنون والآداب، عيد الفرج لم يفز لوحده بهذا التكريم فحسب بل ومعه جميع الفنانين الذين يمثلهم ويمثل شريحتهم.

أما الصديق المبدع عبد القادر الريس، فإعجابي بأعماله وشخصه أمر يشاركني به كل الزملاء، ولا يختلف مع القرار أحد من الفنانين، فهو في طليعة الفنانين التشكيليين، وصاحب مدرسة فكرية وبصرية ولونية متميزة، وقد حقق من خلال أسلوبه المتميز عدة مراحل جعلته في مقدمة الفنانين الخليجيين بل والعرب من جيله، ولعل معارضه المحلية والعربية والدولية دليل قاطع على إبداعه واحتلاله لموقع الصدارة.

وقد أجزم في القول ان لا مكان ثقافيا هاما في الإمارات وخارجها لا تتزين جدرانه بلوحات عبد القادر الريس، والمهتمون بالفن التشكيلي يستطيعون تمييز لوحاته دون الرجوع إلى توقيعه لما تحمل تلك اللوحات من تميز وخصوصية رسخها الفنان عبر تجربة طويلة واعية وواعدة.

إن الآتي يحمل في طياته أكثر من أمل ومسؤولية المبدع ذاته للعمل على الارتفاع إلى مستوى الكوكبة الأولى من المكرمين، ومستوى الجائزة وأهميتها، ومسؤولية الجهة المانحة التي ينبغي أن تحافظ على هذا المنجز الحضاري وتفعيله ومسؤوليتنا جميعاً لتطوير المنجز وتحويله إلى طموحات أوسع وأكبر في وطن عزيز كريم ومعطا.

abdulelah_q@hotmail.com