أكد الدكتور عبد الواحد لؤلؤة أن هناك عدة شروط ينبغي توفرها في المترجم كي يصل إلى نص مترجم موفق، منها إتقان اللغتين (لغته واللغة التي يُترجم عنها النص) والشرط الثاني يكمن في معرفة عميقة بثقافة اللغتين من تاريخ وأمور اجتماعية عامة، أما الشرط الثالث فيكمن بمعرفة طيبة بلغات أخرى قريبة من لغة النص واللغة العربية.
وأشار لؤلؤة أن أي تقصيرٍ في أحد هذه الشروط أو جميعها يؤدي إلى ترجمة ضعيفة أو غامضة أو مغلوطة، وأضاف لؤلؤة: ثمة شروط أخرى يجب توفرها لدى الناقل، منها ثقافة عامة تعين على استيعاب النص، والبحث عما لا يقع في ثقافته في المراجع والمصادر والمعاجم، ومنها ثقافة خاصة تتصل بالنص نفسه.
جاء ذلك في المحاضرة التي ألقاها عبد الواحد لؤلؤة ـ صاحب موسوعة المصطلح النقدي، وأحد أبرز المترجمين في العالم العربي ـ وكانت بعنوان «الترجمة وقضايا المصطلح» وقدمه فيها الدكتور ستار زويني، وجاء في التقديم:
ولد الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في «أم الربيعين» مدينة الموصل العراقية، وحاز على الليسانس من جامعة بغداد عام 1952م، والدكتوراه من جامعة هارفرد وأوهايو لعامي 1954 و1962، ودرس على مجموعة من أشهر أساتذة الترجمة والآداب واللغات في العالم على رأسهم البروفيسور «آي.أي. ريتشاردز» .
وأصدر لغاية الآن 48 كتاباً في شتى صنوف الترجمة والتأليف توجها بموسوعته الشهيرة «المصطلح النقدي» وتعتبر ترجمته لقصيدة «ت. س. إليوت» ـ الأرض اليباب ـ الأجمل والأكثر شهرة في عالم الأدب العربي، كما أنه حائز على العديد من جوائز الترجمة والأدب كجائزة البابطين، وقام بالتدريس في العديد من الجامعات العربية، وهو يعمل حالياً مستشاراً ثقافياً في المكتب التنفيذي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.
بدأ شيخ المترجمين العرب بتقديم لمعنى مصطلح الترجمة ذاته، حيث أعاده للجذور التاريخية الهيروغليفية، وكيف انتقلت هذه الكلمة إلى الأعمال العربية لتعني سيرة الشخص وآثاره، وبيّن رأي الجاحظ فيها وتفضيله لمصطلح «الناقل» على «المترجم»، وقد استعملها المتنبي في وصف جيش ممدوحه سيف الدولة الحمداني:
تجمع فيه كل نسل وأمة ـ فما يُفهم الحُدّاث إلا التراجم، وأضاف ابن «أم الربيعين»: يبدو أن كثرة السؤال عن شؤون الترجمة؛ يشبه كثرة السؤال عن «نجد» موطن الحب في قصائد الشعراء العرب ـ ومنهم المتنبي ـ الذي طالما أسعفني في كل مقام، حيث يقول «قد سألناه، ونحن أدرى بنجدٍ ـ أقصير طريقنا أم يطول؟
فكثير من السؤال اشتياق ـ وكثيرٌ من رده تعليل» ونحن أدرى ب«نجد» الترجمة لأنني ما زلت «أعاقرها» منذ أربعة عقود عجاف، حتى تجمعت لدي ملاحظات أعرضها في هذا المقام.
ثم تطرق لؤلؤة إلى قضايا المصطلح وما يتعلق بها من شروط مشابهة لما سبق، من منطلق تجربة شخصية عايشها طيلة العقود الماضية، وأورد العديد من الأمثلة، من ذلك ما كان يكتب في مجلة «النفير» التي تصدرها القوات البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية.
ويكتب فيها الهنود المسلمون ـ قبل قيام دولة باكستان ـ لأنهم يعرفون العربية، فكانت ترجمتهم عن النصوص الإنجليزية ذات لغة خشبية ثقيلة وحرفية حد الإملال لبعدهم عن الثقافة العربية ومعرفة جذورها، وهو ما ينقلنا إلى أحد شروط الترجمة الأساسية، وأضاف لؤلؤة بعد حديثه عن الحروف الصوامت الأعجمية ودخولها من خلال شعوب الشرق التي دخلت الإسلام، وكيف أثرت في اللغة العربية واللهجات المتداولة إلى يومنا هذا:
إن التزام العربية الفصحى؛ مفردات ونطقاً، دون العاميات أو اللهجات التي تغير نطق المخارج الصوتية، يضمن سلامة النقل صورة ومفهوماً، ففي مصر واليمن وعمان تنطق الجيم العربية كأنها الجيم الأعجمية، وتنطق التاء في لهجة شرق المتوسط كأنها الطاء، ومثل ذلك يسري في المغرب مثال «سيارة طويوطا» ناهيك عن كلمات أخرى مثل:
تنور، طماطا، بطاطا، وهذا بتأثير السريانية في لبنان وسوريا وشمال شرق العراق، وقد تجذر هذا القلب في لفظ الكلمة الأجنبية في لغة بعض أبناء البلاد العربية فظهر في الترجمة، فكلمة «dogmatism» وتعني المذهبية المتشددة ترجمها أديب عربي كبير إلى «ضغماطية» وكلمة «moda» ترجمت إلى «موضة» ونسمع كثيراً عن «الرومنطيقية» وليس هناك في اللغات الأوروبية حرفا الطاء والقاف؟
وأشار لؤلؤة إلى شرط آخر من شروط الترجمة القريبة للغة النص الأصلي، حين تحدث عن الجهل باللغة الأجنبية عند بعض النقلة مما يغير شكل ومعنى المفردة المنقولة أو المصطلح، وأورد مثال «حرب العصابات» التي ظهرت في خمسينات القرن الماضي وترجمت إلى «حرب الغوريلا» بعد وقوع المترجم في خطأ نقل مفردة «guerilla» .
وهي مصغر لمفردة حرب الأسبانية، وتعود جذور هذه الإشكالية في نطق اللام المزدوجة بالأسباني «ياء» إضافة إلى لفظ «g» الذي انقلب إلى حرف «غين» منذ أيام دولة الأندلس، وأضاف لؤلؤة:
لقد جرّت هذه الأخطاء في النقل عن النصوص الأجنبية الإشكاليات إلى مصطلحات الأدب والفن والنقد في العالم العربي، مثل «الكوميديا» و«التراجيديا» التي ترجمت إلى «ملهاة» و«مأساة» والأول يغاير المعنى المراد للمصطلح الغربي، ومثل ذلك مصطلحات «درامه» «الرومانسية»، الكلاسيكية وغيرها من المصطلحات، فدرامه بالأصل الإغريقي لا تفيد التمثيل فقط، بل هي أعم من ذلك، ويجب أن لا تعرب كما يكتب حاليا «دراما» بل بتاء مربوطة مهملة لأنها في الإغريقية تنتهي بألف قصيرة.
إن تفضيل مصطلح عربي سليم يحترم قواعد العربية ـ والحديث للدكتور لؤلؤة ـ ويراعي الذائقة واحتمال الانتشار، لا يعني تعصباً كما كان يجري إلى عهد قريب في اللغة الألمانية، فمثلاً كان الألمان يتحدثون بمصطلحات طريفة «الرائي من بعيد» «المتكلم من بعيد»، «مقطورة قضبان وسط الشارع» بدل:
تلفزيون، تلفون، تراموي، وأورد لؤلؤة أمثلة أخرى عن مصطلحات جرت ترجمتها إلى العربية كمصطلح «تسامي» الذي تطور من كونه الرقي في الموسيقى والفن ليصبح مصطلحاً فلسفياً يفيد الارتقاء الفكري عن موضع أدنى إلى موضع أعلى، ومثله حدث مع ما يطلق عليه في الكتابات الأدبية «عصر التنوير» وعبارة «تداعي المعاني» التي تعتبر غير دقيقة في الترجمة ووضعها الأديب الإنجليزي «هارتلي» والأصح أن يقال «ترابط الأفكار».
أبوظبي ـ محمد الأنصاري
