أقام مؤخراً الاتحاد الوطني لطلبة سوريا المهرجان الجامعي المركزي العشرين في مدينة حلب على مسرح دار الكتب الوطنية، حيث قُدّمت مجموعة من العروض المسرحية للجامعات السورية بمشاركة عربية لكل من اليمن، حيث شاركت «جامعة تعزّ» بمسرحية «الدوائر» ومن العراق شاركت «جامعة بغداد» بمسرحية «أحلام ميّت» تأليف د. كاظم مؤنس وإخراج د. قاسم مؤنس. وقد تميّز هذا العرض بموضوعه الساخن، فالعراق الذي أُحتلّه الأميركان ودُمّر وقُتل شعبه ... والآن الحرب الطائفية.

من تلك الأجواء جاءت فرقة جامعة بغداد، حاملة معها عرضاً قاسياً كقسوة الحياة هناك. فالميّت الذي قتلته هذه الحرب يعود إلى بيته بملابس بيضاء فتفاجأ زوجته بوجوده وترفضه، فهو ميّت ويجب أن يكون هناك مع الموتى وليس هنا، في حين يرفض الزوج ذلك فهو هنا ..

وهو لم يمت .. إن روحه باقية، إذن فهو حيّ يرى كل ما يحدث في وطنه ومن حقّه أن يحلم وأن يقاوم المحتلين والعملاء .. وكل من يساهم في تدمير العراق وقتل شعبه. وبين هنا وهناك يتمّ الحوار بين الزوج الميّت العائد إلى البيت وبين زوجته ..

وعندما تعجز الزوجة عن إقناعه بالعودة تنادي والد زوجها، الذي يحاول أن يعيد ابنه إلى مكانه الطبيعي بين الموتى، لكن الزوج يرفض ويقرّر بأنه حيّ وهما الميّتان، فيُلبسهما وشاحاً أبيض وينزلان إلى الصالة ويحيطان الجمهور بالوشاح الطويل بشكل متصالب، وكأنهما يقولان لنا أنتم جميعاً موتى.

أما الزوج فيبقى وحده على المسرح ويخلع عنه ثيابه البيضاء ويمسك «مكنسة» ويقوم بتنظيف الأرض ويقول : «هكذا سنخرجهم من العراق». تظهر الدلالات العميقة في هذا النصّ المسرحي الشعري، الذي قامت فرقة جامعة بغداد بتجسيده بحرفية عالية، رغم صعوبة مثل هذه النصوص التي تعتمد على اللغة والحوار دون وجود فعل درامي.

فالزوج يرمز إلى المقاومة التي ترفض الموت ولديها أحلامها في تطهير العراق من المحتلّين والعملاء وكل من يسيء إلى الشعب العراقي ووحدته. أما الزوجة فهي تمثّل ( بغداد - العراق ) إما أن تخلص لأحلام المقاومة والناس الشرفاء بعودة العراق إلى أهله وشعبه أو أن تمارس الخيانة مع الغرباء والعملاء. ولكنها تختار الإخلاص للمقاومة والشعب.

ويرمز دور الأب هنا إلى الشعب العراقي الطيب والبسيط الذي يصبر وينتظر التغيير .. رغم أنه يعيش تحت نير الاحتلال والخوف الدائم من القتلة المأجورين والحرب الطائفية. وبوجود قطعتي الديكور فقط على المسرح : ( السرير ) الذي تمّ استخدامه في العرض في الكثير من المشاهد وللتعبير بأشكال مختلفة، كأن يكون إما للإخلاص أو الخيانة بالمعنى المجازي طبعاً.

و ( الثياب المعلّقة ) ضمن دائرة مثبّتة في وسط خلفية المسرح فهي أيضا تحمل دلالة الانتماء أو اللانتماء. إما أن تبقى للعراقيين أو أن يلبسها الغرباء المحتلّون وعملاؤهم. تميّز إخراج د.قاسم مؤنس بالسيطرة على المشاهد وخلق توازن جميل في الحركة، كذلك تميّز الممثلون بقدرات تمثيلية عالية في الأداء، سواء في الحركة أو الإلقاء أو بالتعبير الجسدي.

ومن المشاركات العربية قدمت فرقة «جامعة تعزّ» من اليمن مسرحية « الدوائر» تأليف عبد الخالق سيف وإخراج أحمد قائد شجاع الدين، وقد كان عرضاً متواضعاً افتقد إلى العناصر الفنية في المسرح. وتركزت فكرة المسرحية على أن كل كائن يسعى إلى عزل نفسه ثم يأتي صاحب الخيوط ليربط الدوائر، ومن ثم يتدخل الاستعمار لتفكيك هذه الخيوط.

ولا يخفى الرمز في فكرة المسرحية، فهي ترمز إلى وحدة اليمن أو الوطن العربي. ومن العروض السورية المتميزة التي شاهدناها في المهرجان مسرحية «صدى» التي قدمتها فرقة جامعة تشرين (اللاذقية) وهي من تأليف عبد المنعم عمايري وإخراج نضال سيجري. تدور أحداث هذه المسرحية بين زوج وزوجته التي تتهمه طوال الوقت بخيانته لها مع صديقته، فالزوج يتحدث عن الزوجة أو العشيقة في كل مرة بشكل مختلف وكأنهما شخص واحد ..

ويتكرّر هذا الأمر حتى يبدو قريباً من مسرح العبث. تعتمد المسرحية على لعبة عرض أكثر من اعتمادها على نصّ مسرحي والفكرة المطروحة مليئة بالأخطاء الكثيرة الجميلة التي لا تجعلنا نأخذ موقفاً مضاداً. تميّز الإخراج بقدرته على جذب المشاهد وشدّه إلى العرض، وكان الديكور ذا دلالة والإضاءة كانت ممتازة. كل هذه العناصر خلقت فضاءً مسرحياً جميلاً.

أما فرقة «معاهد الحسكة» فقد قدمت مسرحية «كائنات هشّة» إعداد وإخراج إسماعيل خلف. تعالج المسرحية موضوع الإنسان العربي المسحوق منذ ولادته وحتى مماته. فهو يتعرّض منذ أن يولد لقمع الأسرة ثم المدرسة، هذا على المستوى التربوي، وعندما يكبر يتعرّض للقمع الاجتماعي والسياسي وبذلك لا يحقّق هذا الإنسان أي طموح في حياته التي تتحوّل كما حياة الكثير من الكائنات الإنسانية إلى كائنات هشّة لا تستطيع القيام بأي فعل ولا القدرة على التعبير.

اعتمد المخرج أسلوب المسرح الملحمي فكانت الشخصيات تتناوب بين اللعب والمسرحة وقد حقق العرض تأثيراً جيداً في الجمهور وجذبه ضمن أسلوبيته الحيوية. وقدمت فرقة «معاهد دمشق» مسرحية « رومولوس العظيم» تأليف فريدريك دورينمات وإعداد زهير بقاعي وإخراج رائد مشرف.

تبدأ المسرحية من لحظة انهيار الإمبراطورية الرومانية وسيطرة الجرمان، ويفترض دورينمات أن رومولوس هو إمبراطور روما الذي يريد أن يعاقب روما على ما اقترفته من ذنوب خلال حكم إمبراطوريتها وانتشارها في العالم، فيسلّم روما للجرمان دون مقاومة. هنا تدور الصراعات بين رومولوس والسلطة الحاكمة على موقفه هذا.

استطاع المخرج رائد مشرف أن يقدّم عرضاً جذاباً عبّر من خلاله عن فهمه الجيد لنصّ دورينمات وشخصياته. أخيرا من العروض التي لفتتت الانتباه مسرحية «رياح الحريق» لفرقة «جامعة تشرين» من اللاذقية عن نصّ «الطريق إلى الشهرة» أو «هيروسترات» تأليف غريغوري غورين .

ومن إعداد وإخراج هاشم غزال، تتركّز فكرة المسرحية على أن هيروسترات يقوم بحرق المعبد في اليونان القديمة ليحقق لنفسه الشهرة، ولكن هذا الحريق تمتد ألسنته لتكشف آلية السلطة الحاكمة والزيف السياسي والاجتماعي الذي تمارسه أمام الشعب، وقد جاء هيروسترات ليفضح كل ذلك. النص الأصلي يعتمد المسرح الكلاسيكي اليوناني كما هو معروف.

ولكن المخرج أعدّ النص بما يخدم خطته الإخراجية حيث قدّم العرض ضمن رؤية عصرية من خلال الشكل، وعرض المجموعات والثنائيات عبر الحوار والمشهد البصري. وقد حافظ على الفكرة الأساسية للنص ضمن إيقاع حار وسريع جعلنا ننسى اللباس الموحّد وغياب الألوان والتماثل في الشخصيات.

حلب ـ د. وانيس باندك