ضمن احتفال اسبانيا هذا العام، بالذكرى 125 لميلاد فنان القرن العشرين بامتياز «بابلو بيكاسو» المولود في «مالقا» باسبانيا عام 1881 والمتوفى في منزله على مقربة من مدينة «نيس» بفرنسا في الثامن من ابريل عام 1973، شهدت العاصمة الاسبانية «مدريد» مطالع العام الجاري، معرضين مهمين مكرسين لأعماله، الأول أقيم في متحف «برادو» والثاني في «رينا صوفيا» ضما ما يربو على مئة عمل فني لبيكاسو تعود إلى مراحل مختلفة في تجربته الفنية الطويلة والغزيرة والمتنوعة أسلوباً وتقنية وموضوعاً.
ونتيجة للإقبال الجماهيري الكبير على مشاهدة المعرضين، تم تمديد الفترة الزمنية المخصصة لهما إلى سبتمبر الماضي، وقد قدر زوارهما خلال هذه المدة بنحو نصف مليون زائر.
تم تنظيم المعرضين احتفالاً بالذكرى الخامسة والعشرين لوصول لوحة بيكاسو الشهيرة «الفورنيكا» إلى اسبانيا، وهي اللوحة التي أرخت لحادثة قصف النازيين الألمان لمدينة «غورنيكا» الواقعة في اقليم «الباسك» شمالي اسبانيا ابان الحرب الأهلية الاسبانية، وكان بيكاسو قد رفض السماح بعرضها في اسبانيا خلال حياة الدكتاتور «فرانكو» التي فارقها عام 1975.
وفي نفس الوقت، يتزامن المعرضان مع احتفال اسبانيا هذا العام بالذكرى 125 لميلاد بيكاسو الفنان الذي عاش الحياة والفن حتى الثمالة، تاركاً وراءه إرثاً فنياً ضخماً، بات يشكل علامة بارزة في الفن التشكيلي العالمي المعاصر، قدره الخبراء بمئة وأربعين ألف لوحة، ومئة ألف محفورة مطبوعة، وأربعة وثلاثين ألف صورة تزيينية، وثلاثمئة منحوتة، والعديد من قطع الخزف والسيراميك، تتوزع على اتجاهات وأطياف الفن كافة.
تحرر بيكاسو من الهموم المالية وهو في الثامنة والعشرين من عمره، وأصبح من الأثرياء في الثامنة والثلاثين، وبعد الخامسة والستين أصبح مليونيراً، وفي خط مواز لصعوده المالي، صعدت شهرته لتغطي أركان المعمورة كافة.
اعتبر الباحثون أن من يضاهي بيكاسو شهرة في العالم هو الممثل الكوميدي «شارلي شابلن» الذي حقق هذه الشهرة عن طريق شعبية أفلامه.
أحاطت بحياة بيكاسو أقاويل وحكايات حولته إلى شخصية أسطورية، وزادت من شهرته، غرامياته الكثيرة، لكن أهم وأبرز علاقاته العاطفية كانت مع «ماري تيريز والتر» التي رسمها في خمسين لوحة، وبطريقة خاصة ومتفردة غدت معها هذا المراة رمزا هاماً من رموز فنه وحياته.
يرى «جون بيرجيد» أن بيكاسو هو الفنان النموذجي لمنتصف القرن العشرين، لأنه يجسد قصة النجاح في أحلى صورها. فهناك فنانون آخرون تكالبوا على النجاح، أو تكيفوا مع متطلبات مجتمعهم، أو تنكروا لمنطلقاتهم، أما بيكاسو فلم يفعل شيئا من ذلك بتاتاً، ولم يستهوه النجاح إلا بمقدار ما استهوى «فان كوخ» الفشل، ولم يكن أي منهما كارهاً لمصيره.
ولكن كانت تلك هي الحدود المرسومة لما توافر لهما من نجاح. لقد كان النجاح مصير بيكاسو، وهذا ما يجعله الفنان النموذجي لعصرنا، مثلما كان «فان كوخ» الفنان النموذجي لعصره!!
د. محمود شاهين