لم يقتصر نزوع الإنسان المعاصر، بالعودة إلى الطبيعة ومظاهرها البسيطة، المريحة، الجميلة، على بيوت نهاية الأسبوع، أو تطريز عمارته السكنية أو الخدمية، بالأزاهير والنباتات والأشجار، بل تعداه إلى إدخال هذه المظاهر، في نسيج العمارة وتنظيم المدن والعمارة الداخلية (الديكور) والأثاث.. وغير ذلك، من مرافق الحياة اليومية لهذا الإنسان، سواء في المدينة، أو البلدة، وحتى القرية. فقد طاولت إفرازات التكنولوجيا الكئيبة الباردة، المدينة والريف في آن واحد.
المتابع للتصاميم المعمارية، ولمظاهر العمارة الداخلية المختلفة، وتنظيم المدن، في وقتنا الحالي، يجد أن نزعة إدخال الطبيعة، بعناصرها البسيطة والجميلة، إلى المكان الذي يمضي فيه الإنسان جل وقته، آخذة في التوسع والانتشار، آخذة صيغاً وأشكالاً عديدة ومختلفة.
فقد بدأنا نرى الحجر الطبيعي يستخدم بكثرة، في كسوة دواخل البيوت، بعد أن يتم تشذيبه بحيث لا يؤذي عند الاحتكاك به، وتكحيله بطبقة بسيطة، تظهر تشكيلاته الطبيعية العفوية وغير المنتظمة، وهذا الحجر، كان مقتصراً استخدامه في السابق على الجدران الخارجية للمنازل، والبيوت. كما بدأنا نرى الخشب الطبيعي وهو يعاود دخوله إلى البيوت ليطول الأدراج والزوايا.. وحتى حواجز الشرفات وزوايا.
كما بدأنا نرى الأدراج الداخلية تنفذ هي الأخرى من الحجر الطبيعي، أو من الإسمنت (البروت) أي غير المكسي، وثمة جدران كاملة، تترك في البيوت، منفذة منه ومطلية بطبقة شفيفة من الطلاء الأبيض، ليحافظ على اللمسة العفوية التي جاءت مع عملية صبه، دون إدخال الطينة عليها، أو معجنتها، وكل هذا بهدف المحافظة على لمسة طبيعية، تريح النظر، وتتغلغل في الإحساس والشعور.
وحتى الطينة في بعض المنازل، أصبحت تترك خشنة، حاضنة لتأثيرات الأصابع الإنسانية التي مدتها فوق الجدار، وهي إما منفذة من الإسمنت، أو من الخلطة القديمة التي كانت سائدة في بيوتنا، بعد معالجتها لمنحها خاصية الديمومة والبقاء والعزل الجيد.
وثمة حالة نشطة نراها لدى ناس هذه الأيام، تتمثل بالبحث الملحاح، عن العتيق من الأشياء والأثاث، وإدخاله إلى الشقق والبيوت الحديثة، علهم يستعيدون من خلاله، عالماً حنوناً بسيطاً، عاشوا جانباً منه، برفقة الأهل والأحبة الذين مضى بهم الزمن بعيداً.. ومضى في الوقت نفسه، بزمن كان يرفل بالعافية، والألفة، والمودة، والحب الحقيقي، والخير، رغم صعوبة الحياة وضيق ذات اليد آنذاك!!
ولأن الزهور والورود والنباتات والعرائش والأشجار ومناهل المياه، من المظاهر المريحة والمنعشة لعين الإنسان وروحه وأحاسيسه، فقد تفنن الإنسان المعاصر، بإدخالها إلى بيته ومكان عمله والحديقة والشارع والساحة.. الخ، معتمداً على وسائل بسيطة وطبيعية،
كأن تكون المزهريات عفوية الشكل، والأحواض من الأحجار الطبيعية، أو المكسية بطينة قريبة الشبه بما تحمل الصخور من طحالب الصخور التي تكونها الطبيعة فوقها، أو المزاوجة بين الخشب العتيق والحديد المشغول يدوياً بطريقة الطرق والتجميع، والمحافظة على التشكيل الطبيعي للخشب، دون تدخل كبير، بألوانه وتشكيله الذي صنعته الأرض وحركة النمو.
والملاحظ أن العديد من الناس، أخذوا يعودون إلى الآبار التي كانت تحفر باليد، لإشادتها ضمن حدائق بيوتهم، وربطها بوسائل ضخ الماء القديمة، وإكسائها بالحجر الطبيعي، وإقامة أحواض الورود والأزاهير بنفس الأسلوب والطريقة العفوية البسيطة، والتأكيد على النوافذ العتيقة وأبوابها الخشبية والقناطر الحجرية،
والأركان الحميمة داخل البيوت المنفذة من الحجر والخشب وتشكيلات معدنية قديمة، واستخدام أدوات وأشياء وتشكيلات، داخل البناء وخارجه، تستحضر بكل بهاء وعذوبة، جماليات الماضي الحاضنة للمسة الإنسان الحانية، وبدائيته الوسيمة، والارتباط الحميمي الذي كان قائماً بين كافة مظاهر حياته، وبين الأرض والطبيعة والحياة البسيطة النقية الخالية من إفرازات التكنولوجيا الملوثة للجسد والروح.
عودة الإنسان المعاصر، لتلوين عمارته وأدوات حياته اليومية، بهذه المظاهر البسيطة النقية الحاضنة لنبض الأرض والطبيعة البكر.. محاولة منه، لخلق الفضاء المناسب، لانطلاق الروح، وترطيب الإحساس، وهدم حضارات القلب، وغسل صدأ العصر، الذي جاء مع التكنولوجيا، بإرادة الإنسان الشريرة، واستخداماته الخاطئة لمعطياتها التي كانت يجب أن توضع في خدمة حياته المادية والروحية، وليس قتلها وتدميرها وتشويهها.