البحث المتأني في علاقة المسرح بغيره من الفنون الأخرى، رغم اعتبار الغالبية بأنه «أبو الفنون» وفيه كل الأجناس، يقودنا إلى خصوصية متفردة بالمسرح، وهي أنه يحتوي على خطوط حمر لا تحاك لأي نسيج أجناسا أدبية أخرى، وأهمها أن المسرح لا تقبل خشبته السرد والأزمنة التخييلية خارج الزمن الوقائعي، ولا الخلط بين السرد والمسرحة، وإلا إتسع الحوار عن الفعل على خشبة المسرح المشيدة أساسا له؟

و صار حديثاً معنعناً: عن أبي فلان قال عن أبي علان أنه...الخ، مما يقودنا إلى طقس جماعي «للحكواتي» تتناوبه مجموعة من الممثلين على الخشبة بدلا من المقهى ..

من التعريفات المهمة للدراما هي أن الحوار الدرامي لا يقتصر على التعبير عما يجري بين الأشخاص بل يتولى توضيح الأفعال التي يقوم بها الأشخاص في حدود علاقة أحدهم بالآخر، بالإضافة إلى توضيح المواقف التي يشتركون فيها داخل حدود العالم الدرامي الذي يتخيله الكاتب كما أن العلاقة الدرامية صراع لا يقتصر على علاقة الأشخاص ببعضهم ، بل يمتد إلى علاقاتهم بالقوى المختلفة المحيطة بهم..

ومن جانب آخر، وإن كان ثمة تألق في مجال السينوغرافيا ، فبعد العودة إلى التعريف الذي يقول : «السينوغرافيا تعني الخط البياني للمنظر المسرحي حرفيا ، ضمن التعبير المسرحي، أما الفلسفي فيعني علم المنظر الذي يبحث في ماهية كل ما على خشبة المسرح وما يرافق فن التمثيل المسرحي من متطلبات ومساعدات تعمل في النهاية على ابراز العرض المسرحي جميلا، كاملا ، متناسقا ومبهرا أمام الجماهير»®®.

بالعودة إلى ذلك ، و إلى الموسوعات والقواميس، سنجد أن تعريف الدراما، هو أنها نوع من الفنون المكتوبة للعرض، تختلط فيها الفكاهة بالحزن، والشعر بالنثر، وهي تقدم أحداثاً واقعية عن الحياة، و لديها القدرة على إثارة الاهتمام وتحريك المشاعر.

وأيضاً : (الدراما قصة تروي أحداثاً حيوية لمجموعة من الأشخاص، في إطار فكري فيه من التعقيد، وشد الأعصاب والمفارقات وإثارة الشجون ما يجعله وقفا على هذا الفن).

وإذا أخذنا ما كتبه شكسبير عن الدراما، لوجدنا أهم ما يميز فنه هو التحليل الجريء للواقع وللحقائق التي عاشها، ذلك التحليل الذي منح أعماله خلوداً وبقاء.. إذ لا بد في الدراما من مكان واضح، وزمان معروف، وإنسان تعرف من خلاله ما حدث في ذلك المكان من أحداث، ومن علاقة بين الحاكم والشعب ومن مظاهر متنوعة لحياة الناس ومجرى الأمور... وكل هذا على الخشبة ..

الدراما هي تَمَثُل لامع لواقع معين في زمان ومكان معينين لآلام جماعية ومعاناة شعبية، لثقافة أمة ومشكلاتها الاقتصادية والدينية والسياسية في عصر من العصور.

وكوننا لا نريد الحديث عن الأبعاد الفكرية أو الإيديولوجية للمسرح في الإمارات، بل الحديث عن التأسيس - ضمن هذا الحراك المسرحي المتواصل المميز عربياً -نتساءل لماذا إلى الآن مازالت أعمال شكسبير تلقى معالجات إخراجية جديدة؟ وهل يقودنا هذا إلى أن المشكلة في النصوص؟

أم في متسع الحرية المباحة للإبداع من حيث المبدأ؟ ولكن لماذا لانجد فلتات في المجالات المباحة أصلاً؟ هل خوفنا من غير المسموح به جعلنا نخاف من المسموح به أيضاً؟ وماذا إذن عن موليير الكاتب الفرنسي الشهير الذي ابتكر مئات الشخصيات ليُبَلَّغ عن النفاق الذي ساد مجتمع عصره، وذهب بعيداً وبعيداً جداً، أبعد من احتمالات فهم الجملة اللغوية، وفجر أحداثا مدوية في ضمير ذلك المجتمع؟.

إن الجهد المبذول في هذا الحراك المسرحي الإماراتي، يمثل ظاهرة في الوطن العربي، لكن للأسف لا يلقى جهداً موازياً من كتاب النصوص أولاً، ومن النقاد ثانياً ، ومن وسائل الإعلام ثالثاً؟

abuhamed@albayan.ae