لم يكن يعلم أن القدر ابتسم له، وأطلق لطموحاته عنان الخيال، جاء من محافظة سوهاج المصرية عام 1938 حاملاً هموم الوطن، مثله مثل أي شخص يحب بلده، عمل ببيع الصحف في شوارع القاهرة التي كانت تقبع تحت الاحتلال، استعان الجد مدبولي بابنه محمد في عمله الذي لم يعلم أحد ساعتها أنه سيصبح أكبر موزع وناشر للكتاب في الوطن العربي.

بداية مدبولي وابنه الحقيقة كانت عام 1951م، عندما وزعت نقابة الصحافيين المصرية مجموعة من أكشاك التوزيع على متعهدي بيع الجرائد، وكان مدبولي أول من حصل على كشك النقابة ومنذ هذا التاريخ والحلم يراوده في جعل هذا المكان أحد معالم القاهرة الثقافية.

وضع ماله وعرق السنين في مغامرة، كفل له القدر نجاحها، باستيراد مجموعة كبيرة من الكتب النادرة التي كانت ممنوعة من العرض داخل مصر، ونجح في توزيعها بين أوساط المثقفين والجاليات الأجنبية.

وقبل رحيل الإنجليز بفترة وجيزة اتجه لشراء كتبهم، كانت هذه الكتب نواه الثروة الثقافية لمدبولي وعائلته، لأنها تحمل أسماء كبار الكتاب في العالم، عرضها على جمهور المثقفين بمبالغ زهيدة لإحداث نوع من الثراء الفكري لدي العامة التي هي المعين على الانتشار، ومن مكسب هذه الكتب الزهيد اشترى المكتبة الموجودة حاليا في شارع طلعت حرب بوسط القاهرة.

والطريف في الأمر أن المخابرات المركزية الأميركية (C.I.A) كتبت تقريرا عن هذا الكشك الصغير في بدايته جاء فيه «أن هذا الكشك أصبح ظاهرة ثقافية رائعة للمصريين والعرب على حد سواء وتم نشره في احدي الصحف الأميركية، وكما كانت الثورة خير على مصر، كانت فاتحة الرزق على مدبولي في بناء دار مدبولي للنشر، التي طرح من خلالها مختلف أنواع الكتب من أدب وفن وثقافة وعلوم وفنون وسياسة واقتصاد، لدرجة وصلت إلى تردد اسم مدبولي على لسان كل الناس أكثر من ذكر أسماء الزعماء.

في عام 1960 ركزت دار نشر مدبولي على المسرح الفرنسي والفلسفة الفرنسية من خلال أعمال «سارتر» و«اليرمامي» وقامت بطبع المسرحية في 40 ملزمة وبيعها في ذلك الوقت بأربعين قرشا، مما أثر ذلك في المسرح المصري كثيراً من خلال قيام وزارة الثقافة المصرية في ذلك الوقت بالاهتمام بالمسرح المصري، ونشر الروايات المسرحية والأدبية المصرية، بعدما شاهدت رواح المسرح الفرنسي على رصيف مكتبة مدبولي.

مال قارون وصبر أيوب

يرى الابن محمد مدبولي أن النشر عمل ضخم يتطلب «مال قارون.. وصبر أيوب.. وعمر نوح»، وهذه فلسفتهم في الحياة الثقافية، ولو تحقق ذلك فلن يؤثر انتشار أجهزة الكمبيوتر وثورة المعلومات على مكانة الكتاب كوسيط تقليدي لنشر المعرفة، خاصة وان الكتاب هو الرائد الأول للثقافة، وعصر المعلومات تختلف ثقافته عن ثقافة الكتاب الذي يبحث عن القارئ.

يرى مدبولي الابن أن عدد الكتب التي يتم توزيعها لا تعبر عن كم القراء، والدليل لو أن أسرة بها خمسة أفراد وقام احدها بشراء كتاب معين، فإن أفراد الأسرة بالكامل سوف يتناوبون على قراءته، وتمني أن يصل توزيع الكتاب في مصر والوطن العربي إلى أضعاف توزيعه الحالي.

وهذا دليل على نجاح لبنان في مجال الطباعة والنشر لأن لها دورا رائعا في هذا المجال، فقديما قالوا ان مصر تكتب، ولبنان تطبع، والعراق يقرأ «ونتمنى أن تعود هذه المقولة مرة أخرى، وسبب تفوق لبنان يرجع إلى الاعتماد على النشر والطباعة كأحد أهم مصادر الدخل القومي، فإذا كنا نعتبر القطن والبترول عماد الاقتصاد المصري فإن الطباعة والنشر عماد الاقتصاد اللبناني.

ويرى أن هناك صعوبات تواجه صناعة الكتب في مصر والوطن العربي منها: ارتفاع سعر التكلفة مما يضطرنا إلى رفع سعر البيع، وهذا يؤثر على التوزيع، كما أن استيراد الورق من الخارج يخضع لتغيرات أسواق العملة، والمشكلة الكبيرة للأسف «الرقيب» فهو غير موجود إلا في الوطن العربي فقط عكس الحال في أوروبا وأميركا، فما هو المانع مثلا في منع دخول كتب الثقافة الأجنبية إلى البلاد حتى يتعرف القارئ على الرأي والرأي الآخر.

ومدبولي الابن له وجهة نظر في غزو اليهود للعرب فهو يرى أن اليهود مجرد لصوص للثقافة فقط، ولا يمكن بأي حال من الأحوال التأثير على الهوية العربية، لأن ما يملكه العرب من إبداعات ثقافية أكبر بكثير مما يملكه اليهود ويجب ألا ينخدع العرب الثقافة اليهودية، فاليهود أقل بكثير من أن يغزوا الوطن ثقافياً، وربما ثقافتهم الوحيدة تكمن في الجنس فقط.

حقا ان الثقافة تراث لا يعرف بقيمته إلا مالكه والدليل مدبولي وعائلته: من بائع صحف في شوارع القاهرة إلى أكبر ناشر في العالم العربي.

القاهرة ـ خالد محمد غازي

خدمة (وكالة الصحافة العربية)