قدمت الفنانة السورية مها الصالح عرضا مسرحيا بعنوان «قبعة المجنون» خلال مهرجان دمشق المسرحي الأخير للكاتب المسرحي الايطالي لويجي بيرانديللو، الذي سبق لنصوصه أن زارت دمشق عدة مرات من بينها مسرحيته الذائعة الصيت «ست شخصيات تبحث عن مؤلف».
وهذا النص إلى جانب مسرحياته الأخرى مثل «أنت على حق» المكتوبة أثناء الحرب العالمية الثانية، ومسرحية «أنريكو» من المسرحيات التي لفتت أنظار العالم إليه، ذلك أن لمسرحه صبغة فلسفية حياتية فيها الكثير من الجرأة والتمرد على المفاهيم الجاهزة. «قبعة المجنون» تحكي عن زوجة تعمي الغيرة بصرها، وهذا ما دفعها كي تدير مصيدة لزوجها بأن تجعله يقع في براثن حالة عشق مدبرة، وحينما يهوي العشيقان في الفخ، فجأة ترى هذه المرأة نفسها مدانة من قبل الجميع لأنها أوقعت بزوجها في مكيدة لا يتقبلها المجتمع المحافظ.
وبالتالي لا مجال للوقوف أمام سلطة زوجها إلا أن تعترف بجنونها كطريق وحيد للخروج من الفضيحة التي ورطت العائلة بها وهكذا يضع الزوج قبعة الجنون على رأس زوجته، ويقنعها بأن تصرخ بأعلى صوتها بأنها مجنونة، وهذا ما تفعله بعد أن وجدت أن الجميع يقف ضدها.
أعتقد بأن أغلب نصوص بيرانديللو قد خرجت من عباءة نصه الكبير «ست شخصيات تبحث عن مؤلف»، ففي هذه المسرحية خلاصة ما يحدث في العالم بأي زمان ومكان، لا يخضع لسيرورة حدث واحد ولا يرتهن لمصير شخصية بعينها بل تراه يبحث طويلا في علاقات تبدأ ولا تنتهي، وقبعة المجنون هو الابن الأصغر والمكمل لتلك المسرحية فكريا واجتماعيا سواء جاءت قبلها أم بعدها، ولكن بلا شك الموضوع يغري بالبحث فيه وهو بطريقة صياغته الكلاسيكية يتطرق إلى ظاهرة إنسانية قل أن تراها في نص مسرحي جديد.
مها الصالح التي عرفت داخل سوريا وخارجها اهتمامها بالمسرح وبفن المونودراما الصعب على وجه التحديد عبر مجموعة أعمال قدمتها على مدار عشر سنوات تقريبا، انتقلت إلى إخراج نص جديد ينتمي إلى عوالم الكلاسيكية المسرحية بعد ان أصبح هم معظم المخرجين الشباب تهميش ما يعرف بالنص المسرحي وخلق نظرية جديدة مسايرة تقوم على ارتجال المشاهد المنفصلة عن بعضها البعض، والمربوطة وهميا بحبكة غير موجودة، وانطلاقا من هذا تبدو العودة إلى النص المسرحي المتكامل وإلى ينابيع العمل الفكري الكلاسيكي في المسرح ضرورة ملحة.
يتكئ عرض قبعة المجنون على ممثلين شباب معظمهم من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية في حين ذهب دور البطولة النسائية إلى الفنانة التلفزيونية لورا أبو أسعد في أول حضور مسرحي لها، ويبدو ان المخرجة اقتنصت في لورا حضورها كفتاة توحي بالنزق والتمرد وهو خيار جيد عموما وان كان يعيبه تأثر لورا بالتلفزيون والمبالغة في حجم ردود الأفعال، ولكن هذه قد تكون فرصة العمر للورا كي تدلف إلى المسرح الذي تحب عبر بطولة عمل مسرحي وأمام مخرجة كبيرة كمها الصالح.
وعلى الرغم من الحضور السريع للممثلين مروان أبو شاهين و فاطمة أبو عقل وعايدة يوسف وريم درويش وإيمان عودة، إلا أن أدوارهم كانت موظفة ومتقنة، ولعل عودة الفنان علي كريم في دور المحقق كان له رد فعل طيب من قبل الجمهور، وعلي كريم من الفنانين الذين يستطيعون الارتجال بسرعة ومد جسور من التواصل السريع مع الجمهور.
ولكن نتمنى أن يجري التنبه إلى حجم دوره وأهميته أثناء العروض الجماهيرية للعمل واللعب على أوتار السخرية التي قدم مفاتيحها فقط، في حين قدم جهاد الزغبي دور الزوج المتسلط وربما أكثر من يحتاجه هذا الدور هو العناية بالتفاصيل التي تحتاج إلى وقت أكثر من البروفات لا سيما وأن هذا الدور قام به جهاد وهو في ذروة انشغالاته كمدير للمهرجان، ذلك ان الأفكار التي قدمتها الشخصية جيدة ولكنها تحتاج إلى بعض العناية و التطوير.
العرض ميزه ميزانسين مدروس لحركة الممثلين تتلاءم وأجواء العرض المسكون بالقلق والتوتر، ولا بد أن نلفت النظر إلى حزمة إضاءة أمسكت بخصوصية النص والمكان ونقلت حالة الهلع والتسارع وعكست حالة اللاستقرار التي عاشتها الشخصيات .
وفي حين يطالب النقاد عادة بضبط إيقاع الأعمال الفنية والابتعاد عن الملل والاطالات التي طائل منها يبدو أن الحاجة ملحة هنا إلى العكس إذ أن السرعة في إنجاز هذا العمل والسرعة في تنفيذه يحتاج إلى جدولة بعض المشاهد وإعادة النظر بها ومد الوقت لضبط ايقاع العمل بما يحتمل وبما يمهد لصراع درامي وزمن تتحرك فيه الشخصيات بحرية وحب.
ولكن على العموم ما ينقص العمل هو القليل من الوقت كي يطهو على نار طازجة لا سيما وأن الطبخة بمكونات دسمة،والطباخة لها بصمة كبيرة في المسرح وحضور يمد المسرح السوري بالقوة في الوقت الذي هجره كثيرون ...!
إضاءة
مها الصالح التي تجلس لأول مرة بين صفوف المشاهدين مخرجة لعرض كلاسيكي ولا تمثل فيه، رأت في نص بيرانديللو غير المترجم رسميا إلى العربية، فسحة لكي تحكي عن بعض الجوانب الإنسانية التي برع في تجسيدها كاتبنا من خلال نصوصه الـ 44 .
دمشق ـ جمال آدم