ـ الحالة الأولى:
كان الحكيم يجلس على صخرة في قرية نائية ويخطب في الناس عن الفضيلة والأخلاق وهجران المتع الدنيوية، لكن الأهالي ومعهم حكيمهم هجروا القرى منذ سنين واستوطنوا في ضواحي المدن مبهورين بأضواء النيون الليلية والأشكال المركبة والهجينة للناس الذين جاءوا من كل الدنيا بحثا عن المال الشهرة والجاه.. لكن، وبعد خمس سنوات من الإقامة والتأمل في المدينة وناسها ومعمارها كتب الحكيم ورقة جاء فيها ما يلي:
أهم مدينة في العالم هي الورقة
أهم منارة هو القلم
أهم معبد هو العمل
أهم قبر هو التلاشي
أهم شارع هو السطر
أهم سيارة هي النظر
أهم تلفزيون هو الحلم
أهم راديو هو الصمت.
ـ الحالة الثانية:
كان الرجل العادي في المدينة يبحث عن خلاصه الفردي فغادر إلى العزلة في قرية نائية وظل يتأمل في معنى دوران القمر، وغمزة النجمة في الليالي المعتمة، وصفير الريح حين تهب من الشمال، والهمهمات التي تأتي من وراء التل ولا يفهمها احد..وبعد خمس سنوات تحول رجل المدينة الكبيرة إلى حكيم في القرية الصغيرة وراح يخطب في الناس قائلا:
أهم ورقة في العالم هي صفحة السماء
أهم حبر هو المطر
وأهم عمل هو التأمل..
لكن الأهالي كانوا قد ضجروا من كلام الحكماء فحملوه ورموه في البحر..وظلت حياتهم بعدها هادئة وصامتة لا تعكرها الخطب الرنانة ولا الكلمات الجوفاء.
ـ الحالة الثالثة:
هجر الحكيم القرية والمدينة واختار الانعزال والصيام وحيدا في كهف وراء جبل بعيد..وبعد خمس سنوات من العزلة التامة أدرك أن فهم العالم يبدأ بالسكوت والنأي عن الآخرين حيث يتجلى وينكشف تدريجيا سر الحياة..وقبل أن يموت كتب الحكيم على جدران كهفه ما يلي:
في الوحدة يكمن اكتمالك
اغمض عينيك كي ترى اللانهاية
اصغ إلى أعماقك كي تسمع صدى الكون
طهر عقلك من كل فكرة بيضاء او سوداء
الوهم هو أن تظن ان وطنك الأرض الصغيرة
ناسيا مثل البقية
إن وطنك الأكبر هو الكون كله.