أكد المشاركون في ندوة «سينما نجيب محفوظ» التي عقدت بالهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، في ذكري الأربعين لوفاة عميد الرواية العربية نجيب محفوظ، أن الأعمال السينمائية التي قدمت مأخوذة عن كتابات نجيب محفوظ باتت علامات مميزة في تاريخ السينما المصرية، وهذا ما تدلل عليه أرقام الإحصائية التي صدرت عن أكاديمية السينما المصرية حول أهم مئة فيلم مصري، وكان منهم نحو (23) فيلما ارتبطوا باسم نجيب محفوظ.
وأشار المشاركون إلى أن تفرد وريادة الروائي نجيب محفوظ جاءت من منطلق قدرته الخارقة على توظيف مختلف عناصر العمل السينمائي، من مكان وزمان وشخصيات وأسلوب منهجي، استطاع أن يوظفه لعلاج مختلف الموضوعات العصرية المطروحة ليجسدها روائياً ومسرحياً.
وأوصى المشاركون بضرورة إعادة قراءة أدب نجيب محفوظ، وغيره من الكتاب المبدعين من أمثال يحيي حقي وطه حسين وعباس العقاد وغيرهم من المبدعين، الذين تركوا إبداعات يخشى عليها البعض من الإهمال والنسيان، والابتعاد عن القراءة والمطالعة لمثل هذه الأعمال التي تجسد حياة الأمة المصرية ومن ثم العربية، وربما تكون القراءة بإعلاء هامات هؤلاء المبدعين وغيرهم.
وأشار الكاتب يوسف القعيد إلى النقلة النوعية التي أحدثها محفوظ في السينما المصرية، وأن السينما قبله كانت أقرب ما تكون إلى السينما الغرائزية فقد كانت تميل إلى الإغراق في الميلودراما والأحداث الفاجعة أو الرومانسية الشديدة، بغرض التسلية وقضاء الوقت على نحو ما يحدث حالياً، وبعد محفوظ أصبحت السينما فيها فكر وإبداع ورؤية فلسفية عميقة، نقلت السينما إلى مرحلة أكثر عمقاً ونضجاً وقيمة ثقافية.
وقسم القعيد سينما محفوظ إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول يتمثل في الأفلام التي كتب السيناريو فيها للسينما مباشرة، والقسم الثاني يتمثل في رواياته التي تم تحويلها إلى أفلام سينمائية
أهم مئة فيلم
واستشهد القعيد خلال كلمته بإحصائية أجريت عام 1996، حول أهم مئة فيلم مصري، كان منهم نحو 23 فيلما ارتبطوا باسم نجيب محفوظ وهذا ما يؤكد بصمته في السينما المصرية.
وأن أعماله سوف يظل لها سحر البقاء أمام الزمن لما فيها من مستويات متعددة في السرد، ومنها الحدوتة البسيطة التي يمكن لأي إنسان لم يقرأ أعماله الروائية، ولا يعلم شيئا عن أفكاره وتساؤلاته الضخمة حول الخالق وسر الكون، أن يستمتع بالعلاقات الإنسانية الصرفة في أحداث رواياته السينمائية.
ومن جهته أشار الناقد السينمائي هاشم النحاس صاحب أول كتابين عن سينما محفوظ ـ إلى العناصر الرئيسية التي أحسن محفوظ استغلالها وأحدثت نقلة نوعية في السينما المصرية، ومنها المكان، الزمان، الشخصيات، الأسلوب أو المنهج الذي عالج به موضوعاته الروائية والسينمائية.
أما المكان فقد كانت الحارة المصرية ذات المدلول الرمزي ـ مصر ـ هي محور معظم أعماله، وقد استطاع من خلالها تقديم مفاهيم أوسع من مجرد المشكلات الاجتماعية المحدودة في المجتمع المصري، وهو ما أعطى أعماله الروائية والسينمائية بعداً أوسع من البعد المحلي، وإمكانية تذوقها وانتشارها على المستوى العالمي.
والحارة ـ على حسب رؤية الناقد هاشم النحاس ـ عند محفوظ نوعان، إما حارة واقعية يعيش فيها الناس على نحو «زقاق المدق» و«خان الخليلي» في الثلاثية، وهذه الحواري أو الأزقة هي التي دارت فيها أحداث رواياته والتي تكاد تكون أقرب إلى الواقع، وهناك حارة خيالية تدور فيها الصراعات ما بين الفتوات والحرافيش من عامة الناس من البسطاء، وهي الحارة التي ناقش من خلالها أفكاره عن الحرية والعدالة الاجتماعية.
وقد كان للشارع المصري ـ خاصة ـ بعد ثان في أحداث رواياته وأفلامه فيما عدا فيلميه «ميرمار» و«السمان والخريف» واللذين دارت أحداثهما في شوارع الإسكندرية، وفيلم «الوحش» وكان في بداية تعاونه مع المخرج صلاح أبو سيف ودارت أحداثه في القرية
ريادة وعشق
وأوضح الناقد السينمائي سمير فريد أن السينما المصرية تفردت بالريادة عربياً منذ عام 1907، وتأخر ظهورها في الدول العربية والإسلامية حتى العشرين أو الثلاثين عاماً الماضية، على الرغم من أنهم جميعا كانوا يتبعون الدولة العثمانية، مرجعاً ذلك إلى اتصال مصر المبكر بالحضارة الغربية الحديثة منذ عهد محمد على عام 1805.
وإرسال البعثات الأولى إلى الخارج برئاسة رفاعة الطهطاوي وما تلاها من بعثات، وكذا في عصر الخديو إسماعيل الذي أرسى معنى الحداثة ببناء الأوبرا القديمة، فعرف معها فن الأوبرا والمسرح مع صعود مي مسماط أول ممثلة قبطية على خشبة المسرح في عام 1907.
وبعدها بثماني سنوات وقفت مكانها السيدة منيرة المهدية أول ممثلة مسلمة على خشبة المسرح، ثم في عام 1923، أنشئت فرقة رمسيس التي نقلت المسرح إلى الاحتراف، وكل هذه العناصر جعلت مصر مستعدة لاستقبال فن السينما كأحد أشكال الحداثة في تلك الفترة، والتي بدأت بالأفلام القصيرة الصامتة عام 1917، ثم أفلام متوسطة عام 1927، ثم الأفلام الطويلة.
وأشار إلى موقف النقاد من السينما وموقف عباس العقاد خاصة، والذي وجد فيها شكلا متطورا للأراجوز، وكان عميد الأدب العربي د. طه حسين هو أول من فتح الباب بعد أن قام بإنشاء معهد التمثيل في عام 1930 والذي ما لبث أن تم إغلاقه بعد عام واحد، على اعتبار انه يدمر قيم وتقاليد الأسر المصرية.
وأشار كذلك إلى عدة مقالات كتبها طه حسين في «الكاتب المصري» ودعا فيها كتاب مصر إلى الكتابة للسينما، ولأن محفوظ كان على صلة وثيقة بفكر طه حسين الذي كان يحتويه، وبسبب عشقه لفن السينما والتي كان يحرص على مشاهدتها أسبوعيا، ولم يمنعه عنها سوى ضعف سمعه وبصره، فقد استجاب محفوظ لهذه الدعوة بعد أن تفرغ للكتابة للسينما مباشرة، وانضم إلى نقابة المهن السينمائية ككاتب سيناريو.
واقعية الرواية
وقال سمير فريد: إن محفوظ لم يفكر جدياً في الكتابة إلى السينما مباشرة إلا بعد تعاونه مع المخرج صلاح أبو سيف في أواخر الأربعينات، والذي كان مساعداً للمخرج كمال سليم الذي بدأ التيار الواقعي في مصر مع فيلم «العزيمة» عام 1939.
وكانت السينما من قبله ترفض هذه النوعية من الأفلام، التي تدور في حواري القاهرة القديمة ـ الإسلامية ـ لأنها لن تجتذب الجمهور الذي اعتاد على ارتياد السينما، ومعظمه كان من سكان القاهرة الجديدة ـ الأوروبية ـ وتعاون محفوظ مع صلاح أبو سيف الذي يعد مؤسس الواقعية في الرواية العربية، وكان من أهم ما ابتدعه محفوظ في المرحلة الأولى فيلم «فتوات الحسينية».
والذي اكتشف فيه عالم الفتوات المستمد من الفلكلور الشعبي والواقع والتاريخ «شخصية الفتوة»، والتي تعادل ـ في نظر سمير ـ شخصية الكاو بوي في السينما الأميركية، والساموراي في السينما اليابانية، وقد استخدم هذه الشخصية في التعبير من خلالها عن قضية أساسية كانت همه الأكبر، وهي التناقض ما بين العدل والقوة، وكيفية تحقيق التوزان بينهما!
تساؤلات
وحول التساؤلات التي ثارت منذ عدة سنوات حول أسباب توقف محفوظ عن الكتابة الروائية منذ عام 1952 وحتى عام 1957، وهي الفترة التي تفرغ فيها لكتابة السيناريو للسينما، ومقولة محفوظ في الستينات والسبعينات ان ثورة يوليو 1952 قد أربكته وأحبطته، ومن ثم شعر بعدم الرغبة في الكتابة، فيعتقد سمير أن محفوظ كان من جيل يرى أن مصر كانت تسير في التجربة الليبرالية المصرية، التي بدأت عام 1923 وانتهت بعد قيام الثورة عام 1953.
ومن ثم فقد رأى أن الثورة قد قطعت هذا الخط، وفي ذات الوقت كان محفوظ والشعب المصري كله يرحب بالثورة ومبادئها الستة التي قامت عليها، والتي لم يكن فيها إلغاء الملكية وإنشاء الجمهورية أو إلغاء الحكم العسكري، أو إلغاء الأحزاب، وأنه من الخداع والتزييف القول إن محفوظ قد توقف عن الكتابة لأنه كان ضد الثورة، أو لأن الرئيس جمال عبدالناصر قد حقق له كل أحلامه مما أدى إلى توقفه عن الكتابة، لأنه لم يعد هناك ما يقوله.
وأضاف فريد انه من الصعوبة فهم محفوظ وتفسير مواقفه، وحتى عدم ذهابه لاستلام جائزة نوبل، وانه يرفض التصديق بأن رفضه السفر لاستلامها كان بسبب عدم رغبته في تغيير عاداته من شرب الشاي صباحاً والقهوة مساء، فإن محفوظ بالنسبة له أشبه بالمحيطات في اتساعها الكمي وأعماقها الغائرة، ومن ثم فإنه لابد وأن هناك حكمة ما سوف نعلمها يوماً ما تفسر لنا مواقفه المختلفة.
شخصية مصر
واستعرضت الفنانة معالي زايد تجربتها مع محفوظ من خلال الأدوار التي قامت بأدائها، بدءاً من شخصية حميدة في «زقاق المدق» التي جسدتها على خشبة المسرح، وهو ذات الدور الذي قامت به الفنانة شادية في الفيلم السينمائي، وتساؤلاتها حول طبيعة هذه الشخصية وما المغزا منها، ولماذا ماتت في الفيلم وعلى خشبة المسرح بينما لم تمت في عمله الروائي.
وإجابة محفوظ بأن هذه الشخصية هي رمز لمصر التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تموت، والشخصية الثانية كانت «زنوبة» في الثلاثية، وانه من العجب أن تقوم والدتها في الواقع بأداء دور «أمينة» زوجة «سي السيد»، بينما قامت هي بدور «زنوبة العالمة» ودورها في هذه الشخصية التي كانت ذات مرحلتين الأولى «بين القصرين» حين قدمت للمرة الأولى من القرية إلى المدينة بأحلامها وأفكارها، وحياتها في منزل خالتها «زبيدة» صديقة «سي السيد».
حيث بدأت عيناها تتفتحان على دنيا جديدة لم تعهدها من قبل، ثم علاقتها «بياسين» ابن «السيد أحمد عبدالجواد»، وطموحها الذي بدأ يكبر بعد أن تعلمت وفهمت الكثير، واتسعت أطماعها إلى حد رغبتها في الزواج من السيد أحمد عبدالجواد ذاته صديق خالتها زبيدة.
والشخصية الثالثة التي تحدثت عنها زايد، كانت في فيلم «دنيا الله» الذي اعترضت الرقابة على اسمه، فتم استبداله بعنوان «عسل الحب المر» وفيه قامت بشخصية الفتاة التي غوت الساعي في المصلحة الحكومية حتى دفعته إلى سرقة مرتبات الموظفين حتى يتمكن من الحصول عليها، ومن هذه الشخصيات المتباينة يتبين لنا مدى اهتمام محفوظ في تلك المرحلة بالطبقة الدنيا وهمومها ومشكلاتها وأعبائها النفسية!.
أسف وأمل!
أما الفنان نور الشريف فقد أبدى أسفه لشعوره بأن معظم الناس لم يقرؤوا الأعمال الروائية لمحفوظ، وأنهم بالتالي لا يعرفون عنه سوى أفلامه الروائية التي يتم عرضها، وأنه عن نفسه كان له حظ اللقاء به عدة مرات.
كما أن أول أعماله الفنية كان تجسيداً لإحدى شخصيات محفوظ، وعلى مدى مشواره الفني قام بأداء نحو خمسة عشر فيلماً من أعماله الروائية، فضلا عن إخراجه أوبريت «التحطيبة» عن روايته «كفاح طيبة» موضحاً أنه عاشق لمحفوظ وأدبه، الذي يعيد قراءته مرات ومرات دون تعب أو كلل.
وأكد الشريف على أن أعمال نجيب الروائية قد تضمنت كل الأسئلة التي دارت في ذهنه، وهو لا يزال في مقتبل الشباب، وقد تم طرحها ببساطة شديدة، مما يجعل أي إنسان يتقبلها وما وراءها من عمق فلسفي، يدفع إلى إعمال العقل والتفكير في القضايا المجردة في الكون والخالق والحياة والموت والعدل.
كما أشار نور إلى شخصية «كمال عبدالجواد» في الجزء الثالث من الثلاثية «السكرية»، التي استمتع بأدائها وتجسيد حيرة الإنسان الذي يعمل عقله بقوة ودون توقف، وباعتقاده أن «كمال» هو المعادل المصري لهاملت الإنجليزي في رواية شكسبير، وأزمته في تردده وعدم القدرة على الفعل، وقبل شكسبير كان الصراع يدور ما بين الإنسان والقدر.
وكذا دوره في فيلم «قلب الليل» والذي أصابه بإحباط شديد نتيجة عدم نجاحه جماهيرياً، مشيراً إلى عنوانه ومدلوله الرمزي باعتباره يعبر عن أحلك اللحظات عندما نفقد الرؤية تماما، ومفاجأته التي تلقاها حين تم عقد ندوة لمناقشة الفيلم، وقد فوجئ خلالها بأن معظم الحاضرين لم يقرؤوا الرواية في نصها الأصلي.
وأن ما تم تقديمه في الفيلم لم يتم استيعابه من قبل المشاهدين، خاصة وأن هذا الفيلم قد خصصه محفوظ لطرح الأسئلة الكبرى التي كانت تؤرقه عن الخالق وفلسفة خلق الكون، وكان تجسيده لشخصية جعفر الراوي التي كانت أقرب إلى شخصية محفوظ في حيرته وتساؤلاته التي لا يجد لها إجابة.
وقد دعا نور في ختام كلمته إلى إعادة قراءة أعمال محفوظ، وكذلك أعمال كبار كتابنا على نحو يحيى حقي، يوسف إدريس ومحمد عبدالحليم عبدالله، كما دعا إلى إقامة ندوة شهرية لمناقشة أحد أعمال مبدعينا في المجالات المختلفة، وكذا قيام جمعيات تحمل أسماءهم وتتبنى التعريف بإبداعاتهم والترويج لها، حتى لا ينقرض إبداعهم وينتهي الأمر إلى مجرد ذكريات جميلة موثقة في بعض المسلسلات والأفلام السينمائية!
القاهرة ـ نهال قاسم
خدمة (وكالة الصحافة العربية)