ينظر إلى القصة القصيرة كلون أدبي مجهول في موريتانيا، فبلد المليون شاعر تعشق الموزون والمقفى أكثر من عشقها لأي لون أدبي آخر، لكن ذلك لم يمنع بعض الوجوه الأدبية الشابة ان تبحر في عوالم القصة والرواية، وتعمل بجهد على إثراء الساحة الثقافية في البلد بمنتج فكري جديد.

«البيان» التقت احد رواد القصة القصيرة الموريتانية وأجرت معه الحوار التالي:

* ما هي الأسباب التي أدت بك إلى اختيار فن القصة القصيرة كوسيلة للتعبير وليس الشعر مثلا وبعبارة أخرى ما هي الظروف والملابسات التي أدت بك إلى أن تكتب القصة؟

ـ في الحقيقة يصعب علي الجواب بشكل محدد أو دقيق على مثل هذا السؤال لأنه بكل بساطة لا أستطيع أن أحدد بالضبط الفترة الزمنية كما يصعب علي أن أقول إن هنالك دوافع محددة، أي أن الإنسان حسب وجهة نظري سواء كان شاعرا أو روائيا أو قاصا لا يمكنه أن يقر بأنه سيكون كذلك نتيجة لسبب كذا أو كذا بل إنه يجد نفسه فقط منتجا لهذا الفن أو ذاك دون إصرار مسبق أو برمجة

لأن المسألة ليست مسألة يتبناه الشخص فالظروف الاجتماعية والسياسية والنفسية والاقتصادية والأخلاقية تلعب دورا أساسيا في تحديد ذلك وهذا طبعا لا يعني أن كل من عاش في مثل تلك الظروف وتوفرت له تلك الشروط سينتج شعرا أو نثرا بل إن هنالك ما يسميه البعض الموهبة أو ما أفضل أن أسميه أنا الاستعداد الفطري للبوح بمكنونات النفس بهذه الطريقة الشعرية والقصصية والروائية حسب رهافة إحساس الشخص وتأثره بما يحيط به وشمولية رؤيته للواقع أو الكون.

كل هذه العوامل مجتمعة هي التي تجعل من الشخص كاتبا أو أديبا أو شاعرا وأنا بصفة شخصية إذا جازفت وحاولت أن أعطي جوابا (أقل دبلوماسية أدبية) فإنني يمكن أن أقول ان البداية الأولى تعود إلى سنة 2000 إذا كانت تلك البداية تقاس بمنتج مشهور أو متداول في مجال يتعدى دائرة الأصدقاء والمقربين وإن كنت قبل ذلك قد كتبت بعض المحاولات التي يسميها محمد شكري «خربشات» وقد كنت أحتفظ بها لنفسي دائما باعتبارها مذكرات شخصية أو اعترافات خاصة جدا.

أما الدوافع أو الشروط العامة والظروف فهي مرتبطة عندي أساسا بوضعية عامة كان ولا يزال يعيشها البلد إلى حد ما أي تلك المرتبطة بانقلاب المفاهيم رأسا على عقب، وبما أنني انتمى لجيل شاب وطبقة اجتماعية بسيطة فإن وقع هذه الأوضاع علي سيكون أشد، فالشعور بالدهس بالأقدام والحذف المتواصل أدى إلى الإحساس بالانصهار والتلاشي،

ولأنني متشبث بكرامتي وأشعر بوجودي كإنسان له الحق في العيش الكريم والمساواة مع الآخرين دفعني ذلك إلى إثبات انني موجود وما زلت أقاوم للحصول على حقوقي المستلبة فعبرت عن ذلك بلغتي الخاصة «القص» قص معاناتي ومعاناة الآخرين، وهي اللغة التي أرى أنها أكثر قدرة على التعبير من الشعر الذي أرى أنه يضيق عن احتواء كل ذلك.

وإن كنت لا أعتقد كثيرا فيما يسميه البعض موهبة كما قلت اللهم إذا كانت تعني قدرة الإنسان على إيصال ما يريد ان يوصله بشكل مفصل وهي صفة كثيرا ما أوصف بها من لدن أصدقائي فأنا مولع بمعرفة التفاصيل ومهووس بحب الحديث إلى حد الجنون.

* بمن تأثرت من الكتاب محليا، عربيا، عالميا؟

ـ لقد قرأت كثيرا جدا قرأت للكثير من الكتاب والأدباء لكنني في البداية ركزت قراءاتي على الكتابات الفكرية لأن الرغبة في أن أكون منتج أفكار ونظريات كانت تستبد بي ولذا قرأت للجابري، برهان غليون، محمد جابر الأنصاري، عبد الوهاب المسيري..

هذا إلى جانب قراءاتي لكتب التاريخ بحكم تخصصي فيه أما فيما يتعلق بقراءاتي الأدبية فإنها توزعت بين مختلف الآداب العالمية لأنني أرى استحالة تحقق «أديبية» الأديب دون الاطلاع على الآداب المختلفة خصوصا المميزة والخالدة ورغم انعدام الظروف المادية وسوق تحتوي على الكتب المتميزة وانشغالات الحياة اليومية والجهل البهيمي الذي يسيطر على المحيط الاجتماعي للشخص

فإن ذلك يجعله محروما من القدرة على الحصول على الكتب التي يرغب في اقتنائها، رغم ذلك يجد الإنسان نفسه متنازلا عن ثمن الخبز أو الدواء لشراء كتاب جيد بهذه الطريقة استطعت أن أقرأ لفكتور هيغو، استاندال، كابريل غارسيا ماركيس، اخوان رولفو، ماشا دودو أسيس، البرتو مورافيا، ريتشارد رايت، افان بونين.. علما بأنني أقرأ بلغة ونصف لغة.

باختصار نوعت قراءاتي لكتاب مختلفي الانتماء بالنسبة للأدب العربي، حدث ولا حرج، قرأت لنجيب محفوظ، طيب صالح، أمين معلوف، وإن كان يكتب باللغة الفرنسية، جبرا إبراهيم جبرا، بهاء طاهر، عبدالرحمن منيف، بن جلون.

أعتقد أنه ما من كاتب عالمي عربي إلا وقرأت له عملا أو اثنين، محليا قرأت موسى ولد ابنو إضافة إلى الأسماء المتغيرة لأحمدو بن عبدالقادر وبعض القصص القصيرة لكتاب شباب، لا يدخل هذا في إطار استعراض العضلات القرائية بقدر ما أنه يصب في السؤال الذي طرحت وهو بمن تأثرت؟

فأنا أحاول دائما أن يكون لي أسلوب الخاص رغم صعوبة تحقيق ذلك بسبب حداثة التجربة إلا أنه يمكنني أن أقول بأنني تأثرت بنجيب محفوظ، أمين معلوف، محمد شكري، الأول أشعر وأن أقرأه بالعجز عن التفكير خارجه، الثاني يبهرني أسلوبه أو أسلوب مترجمه عفيف الدمشقية، والأخير يخترق روحي.

* هل تميل إلى الواقعية أم إلى الخيال في كتاباتك؟

ـ سأقول ما سبق وأن قاله بهاء طاهر في مقابلة له مع مجلة العربية في أحد أعداد 1999 عندما سئل سؤال شبيه أجاب بأن الخيال هو جنين الواقع أي أن الواقع يستمد قوته من الخيال والعكس صحيح أيضا لكن هناك بعض الكتاب يميل إلى الإغراق في أحد الجانبين لأسباب أو لأخرى وأنا بدوري أفضل أو أسمي قصصي أو محاولاتي القصصية إن صح التعبير قصصا واقعية وإن كانت مليئة بالإيحاءات والترميز وإذا كنت تعني بالواقعية التعبير بشكل مكشوف عن الظواهر الاجتماعية والسياسية والتحدث دون مداورة أو ارتداء أقنعة.

* ما هي وجهة نظرك في الساحة الثقافية، الركود الذي عاشته الحقبة الماضية، وهل اتخذت الدولة مبادرات في سبيل إنعاش تلك الساحة؟

ـ هناك عداء دفين لكل ما يمت بصلة للثقافة فهو عداء تاريخي بين السلطة السياسية والنخبة المثقفة في بلدان العالم العربي ويعبر عن نفسه أكثر هنا عندنا السلطة لم تكن تعطي أهمية للمثقف بل تعمد إلى قتل موهبته وقتل الأمل في نفسه تريد أن تحوله إلى مسبح بحمدها بكرة وعشيا، تريد أن تحوله إلى مثقف مخصي كما يصفه نزار قباني،

وإن كان ما يقول غير صحيح فأين دار نشر واحدة مولتها الدولة أين دور وزارة الثقافة فهل هي مستعدة لنشر أي ديوان شعري أو مجموعة قصصية أو رواية، لماذا أتسكع بحثا عمّن يحتضنني خارج بلدي وأمثالي كثر من الشباب المبدعين في مختلف الميادين، لا أريد أن أتحدث عن بعض التظاهرات الموسمية الكرنفالية، على وزارة الثقافة أن تتولى نشر الأعمال الأولى للشباب لأن هذه الفئة العمرية تعاني محنة الاعتراف أولا وهي معضلة أخرى، لأن عزم الشاب يقف حجر عثرة أمام الاعتراف به ككاتب يستحق القراءة وأنا أوجه اللوم هنا لنقادنا أيضا لماذا لا يهتمون بالكتاب الشباب؟

* كيف تقيم علاقة المجتمع بالقصة القصيرة كمنتج أدبي هل تشعر بأن هناك نوعا من التعاطي أو الفهم؟

ـ سؤال يبدو أكثر من وجيه فالقصة القصيرة والسرد بصفة عامة يسير بتعثر شديد على مستوى الساحة الثقافية الوطنية مقارنة مع الشعر الذي يعتبر اللون الأدبي السائد أو «المهيمن» وبما أن الشعر هو ديوان العرب كما يقال فإنه لا يزال منتشرا بشكل كبير والسبب في ذلك حسب فهمي المتواضع يرتبط ارتباطا وثيقا بانتمائنا العروبي أو بالطريقة التي قبل بها انتماؤنا للفضاء العربي،

فبما أنه تم قبول انتمائنا إلى الحضارة العربية في فترة متأخرة نسبيا فإننا نتشبث بذلك الانتماء لفترة أطول حتى نعوض ذلك الحرمان الطويل كما لو أننا نريد أن نقول للعالم نحن عرب هذا العصر لأننا ما زلنا ننتج شعر امرؤ القيس وزهير وأبو تمام والمتنبي، فأنا هنا لست ضد الشعر ولا يمكنني ذلك لكنني اسأل فقط عن ماذا لو جددنا في الشعر شكلا ومضمونا على غرار إخوتنا في المشرق؟

ولماذا لا نقرأ أولا ثم نقول الشعر ثانيا، فأنت اليوم تسأل الشاعر الشاب هل قرأت لقيصر باييخو أو آدونيس أو رافائيل آلبيرتي أو قاسم حداد فيجيبك بلا ومع ذلك يقنعك بأنه شاعر أما إذا تحدثت عن القصة أو الرواية تقابل بفتور في أحسن الحالات.

وفيما يتعلق بالقصة وعلاقتها بالمجتمع فأنا أرى أنها الأقدر على التعبير عن همومه، آماله، أحلامه، طموحاته، احباطاته رغم أن الغالبية لا تنظر إليها من زاوية فنية ويعود ذلك طبعا إلى اغتراب هذا اللون على المتلقي وكثيرا ما ينظرون إليه من زاوية واقعية كما لو أنها قصة حدثت بالفعل، عندما نشرت قصة قصيرة بعنوان: «الطاهر ولد سيدي يعترف» كان السؤال الذي أبادر به دائما هو «من هو الطاهر ولد سيدي» فأجيب قائلا أنا مثلك لا أعرف!.

حوار ـ بشير ولد ببانه