«مملكة القرود» و«النخلة والثعلب» خلل نصوص وإرباك إخراج

«مملكة القرود» و«النخلة والثعلب» خلل نصوص وإرباك إخراج

ت + ت - الحجم الطبيعي

واصل مهرجان الإمارات لمسرح الطفل عروضه لليوم الثاني والثالث بمسرحيتين، الأولى «مملكة القرود» لفرقة مسرح دبي الأهلي، وهي من تأليف الكاتب العراقي احمد الماجد، وإخراج علي جمال، والثانية «النخلة والثعلب» لفرقة مسرح العين الشعبي، من تأليف وإخراج محمود أبو العباس..

تحكي «مملكة القرود» عن ثعلب وأمه يتسلطان على القرود ويسرقون طعامهم ويهددون أمنهم، ويبدأ التصاعد الدرامي باتجاه الحبكة، وهي كيفية التخلص من هذا العدو الغاشم، فيقرر الملك تزويج ابنته الأميرة الجميلة من القرد الشجاع الذي يخلصهم من شر الثعلب.. تلاقي هذه الفكرة استحسان القرود الشبان الطامعين في الزواج من بنت الملك..

فيسعى بعضهم لخطط فاشلة تصل إلى مسامع الثعلب فيخطف وأمه الأميرة.. يحزن أهالي المملكة وتساهم الأغنية المواكبة للحدث في التعبير عن هذا الحزن بشكل لافت .. تتأزم الحبكة الدرامية، ويهبط مستوى الإيقاع، وتساهم بعض الاطالات في زيادة الإرباك في المعالجة حيث لا تضح قوة وضعف المتصارعين، ولا تتناسب مع طبيعة كل منهما، ففي الوقت الذي يستطيع فيه الثعلب اصطياد عدة قرود بشبكته، ينهزم في النهاية أمام قرد شجاع..

وفي المحصلة هذا القرد يتمكن من إنقاذ الأميرة بمعاونة بقية القردة، ليعلن الملك زواج ابنته من الفارس الشجاع.. المسرحية الثانية «النخلة والثعلب» تحكي عن مزرعة يعيش فيها كلب وديك ونخلة، يقرر الثعلب والغراب والصرصور «بطل المسرحية» أن يقتلعا هذه النخلة الشاهدة على سلوكهم المشين..

وتتنوع المحاولات برشها بالمواد الكيميائية أو بوضع السوس عليها أو بشدها بالحبال بمساعدة الحمير من وراء الكواليس.. وفي النهاية ينتصر الخير على الشر، وتبقى النخلة والأرض الطيبة.. بعد الإشارة إلى التميز في الديكور والإضاءة والأزياء والتقنيات الفنية بشكل عام، لابد من التنويه أيضاً إلى الدور الذي تلعبه الأغاني في مواكبتها للسياق النصي والمعالجة الدرامية، وإلى بعض الهنات التي لابد منها في مسرح الطفل، فهناك أغان واكبت الأحداث،

وأخرى كملت الفرجة، وفي الوقت الذي ساهمت الأغنية في «مملكة القرود» في إضفاء أجواء الحزن على الغابة بعد خطف الأميرة، جاءت الأغنية الداعية للتمثيل في «النخلة والثعلب» كمفصل قطع الخيوط، وغير ملامح الشخصيات بقدرة قادر من حيوانات إلى بشر، وكان بالإمكان الاشتغال على ذلك عبر مشهد وحوارات عن التحول وآليته واختيار الشخص المتحول له كي يكون قادراً على المساهمة في اقتلاع النخلة..

اللافت في العروض، الحديث بلغة الحيوانات، والهدف النبيل هو إيصال الغايات الإنسانية إلى الطفل، والعمل على النواحي التربوية والأخلاقية، وأيضاً المعرفية والعلمية.. وهنا مربط الفرس، ففي مسرحية «مملكة القرود» استطاع النص ومعالجته الجديدة أن يسلط الضوء مثلا على علاقة المحبة والاحترام بين الملك وابنته، والعلاقة السيئة بين الثعلب وأمه،

وفي ذلك ترميز موفق يتناسب مع طبيعة الثعلب، ولكن أن يكون طعام القرود والثعالب هو «السمك» فهذه من المفارقات التي لا يقبلها المنطق ولا عقل الطفل، وربما في النص الأصلي «مملكة الفئران» ثمة مبررات للعلاقة التاريخية بين الفئران والقطط، ولكن على أي أسس تتركب العلاقة بين الثعالب والقرود وكلاهما من بيئتين مختلفتين؟

إن إضفاء الحركة والمتعة وتحسين الفرجة ـ التي أجادها المخرج ـ عن طريق تقمص أشكال القرود وحركتها، الدؤوبة وأصواتها.. لا يبرر تشويه الحقائق الطبيعية وإن كان الهدف إيصال غايات نبيلة.. أما في «النخلة والثعلب» فمن الواضح أن المخرج المؤلف اشتغل على علاقة النخلة بالأرض كمحور أساسي لفكرته، ولكن الشغل على تحقيق تلك الفكرة الناضجة ربما في ذهنه، جاءت بأدوات خارجة عن المعقول من أنسنة للحيوانات إلى اختراع حيوانات جديدة بطبائع وغرائز مغايرة..

ووضوح الفكرة منذ البداية أبعد عامل التشويق، فبات على المخرج المؤلف أن يبحث أحداثا تتصاعد درامياً، لكن على ما يبدو أن اقتلاع النخلة بحد ذاتها كحكاية، لا تحتمل أكثر مما جاء به النص، فكان الإرباك في النص مساعدا على وجود خلل في المعالجة الدرامية، ولم تنقذ الموقف عصا الصرصور التي انكسرت لتحقق شعار الاتحاد قوة،

ولا نقل طائر الحب لأحداث صارت من بعيد كتحويل مجرى النهر الذي لا يمكن أصلا مسرحته رغم وجود إمكانية لمسرحة شد الحمير للنخلة وإضفاء مواقف كوميدية على المشهد، وإغناء الفعل المسرحي على الخشبة بدلا من الحديث عنه، ومواكبة الحوارات للأحداث بدلا من أن تأتي مباشرة وتقريرية..

وانطلاقاً من حالة الدخول إلى مسرح الطفل عبر الحديث على لسان الحيوانات، تفيدنا العودة إلى كليلة ودمنة، حيث سنجد أن الحكايات والأحداث كانت تدور تبعاً لخصوصية كل حيوان، وطبيعته وغرائزه ... فالثعلب بمكره ومالك الحزين بطول رقبته والجرذ الذي أنقذ الحمامة بقوة أسنانه على تقطيع الشبكة..

لكن في المسرحية، وبعيداً عن التفاصيل، كيف يقود الصرصور الغراب والثعلب، وماذا عن الكلب حارس المزرعة، وهل الديك لا ينتمي للدواجن، الثعلب يأكل الدجاج فقط، وكيف اجتمعت تلك الحيوانات، وما هي الظروف الطبيعية التي تحكم تلك العلاقات مع النخلة ؟

إذا كان ثمة ترميز فهو خارج المعقول والمنطق ويشوه الحقائق الكونية والعلمية، ولا يحترم ذكاء الطفل ولا معارفه.. ومع كل هذا، لا بد من الإشارة أخيراً إلى الصعوبة التي يلقاها المخرجون في التعامل مع الأطفال على خشبة المسرح وداخل الورش الفنية، لكن الصعوبة الأكبر والمسؤولية الأعظم هي التعامل مع الأطفال داخل الصالة، وإمكانية إيصال الغايات الإنسانية لهم دون تشويه لحقائق الكون.

محمود أبو حامد

طباعة Email