لا أعرف تمام المعرفة ما يقصد كل أولئك المدّعين الذين يهللون لأدونيس دائماً، خالعين عليه أبهى الألقاب وأحلى عبارات المديح، لتطالعنا العناوين الكبيرة عن رسول المحبة والإبداع، وطائر الفينيق العائد من رماده متجدداً مشرقاً بهياً، يلقي علينا تحياته الشعرية العصّية، كجسر للثقافة والحضارات العابرة للقارات بين الشرق المتداعي والغرب المتباهي.
ولأن أدونيس مع احترامنا الفائق له ولكل الألقاب التي يخلعها عليه أشباه الأميين، الذين لا يجيدون سوى الهتاف في القاعات الصماء، معتقدين أن صدى أصواتهم هو رجع للمجد الذي يخلعونه على صاحب الطلّة البهية، الشاعر الذي لا يشق له غبار، القادم إلينا من معابد الشعر الموغلة في القدم، قادحاً زناد فكره في كهوف الفكر الإنساني، ليطلع علينا بأفكار يتحفنا بها، مفتعلاً على الدوام انتقادات لا تتعدى حدود الدعاية التي يصّر على إحاطة هالته الشعرية بها، متناسياً أن الشاعر لسان حال قومه، وصوت البسطاء الحالمين بيوم ليس كباقي الأيام، وليس رمز الربيع والخصب، الشاب رائع الجمال، معشوق أفردويت.
ففي كل مرة تتناقل وسائل الإعلام العربية آخر أخبار خلافاته وتصريحاته التي يشدو بها على مقام واحد لا يجيد سواه وهو (أننا أمة ترى حاضرها بعيون ماضيها، فأضاعت إمكانية التقدم والانخراط في سياق التطور العالمي بشكل فاعل يطلق فعاليات العرب إلى جانب غيرهم من الأمم)..
كلام جميل براق يهز الوجدان ويضع اليد على الجرح، لكن المشكلة أن يتهم (مهيار الشعر) اللغة العربية بقصورها وعدم قدرتها على التواصل مع العالم، في الوقت الذي يعترف فيه الباحثون والمستشرقون بالبعد الجمالي والفلسفي للغة العربية وارتباط هذه اللغة بالذات العليا والعمق الروحي، مما يعطي الشعر العربي ميزة غير متوفرة في اللغات الأوروبية، هذا على حسب ما قاله البروفيسور الألماني بيرلفيتس في محاضرته الأخيرة في أبوظبي في معرض حديثه عن تأثر أدونيس بشاعري ألمانيا (نوفاليس) و(هولدرين).
ربما يتعرض أدونيس لبعض التجني وبعض التحريف في أحاديثه، فهو شاعر معروف، صاحب باع طويل في وادي الشعر، لكن يجب ألا ننسى تأثره أولاً بتجارب من سبقوه وهذا ليس عيباً، لكن المعيب سرقاته الأدبية من عيون الشعر العربي والفرنسي وما قام كاظم جهاد في كتابه (أدونيس منتحلاً) حيث يورد الكثير من الشواهد على عبقرية (علي أحمد سعيد) في اقتناص الصور والأفكار والمقاطع الشعرية الكاملة، هذا عدا عن تحوير القصائد للتناسب مع كل المناسبات وما أكثرها لديه.
قد نغفر لأدونيس كل هفواته الإبداعية، لكننا بالتأكيد لن نسامحه أبداً على تنازلاته الشنيعة وهو يطرق الأبواب للحصول على نوبل للآداب، لاهثاً وراء بريق خادع وكأن مملكته الشعرية لا تكتمل إلا بتاج يعرف أن الوصول إليه سيكلفه الزحف طويلاً لجهات نعرف جميعاً حدودها وأهدافها، مع أن الشاعر الحقيقي تلاحقه الجوائز لا العكس.
صاح الماغوط يوماً: أنت يا أدونيس تكتب شعراً لا تفهمه..؟! فمتى يفهم شاعرنا الفذ أن لا جسر للإبداع يمر فوق الدروب الملتوية، وأن لا جوائز توهب لمن يطلبها على الدوام.
alomawi@albayan.ae