درجت عادة العديد من الدول في الفترة الماضية؛ تكريم المبدعين من أبنائها سواء كانوا أدباء أو فنانين أو علماء أو من مختلف إبداعات الحياة الأخرى؛ إلا أن أغلب البلدان العربية - وكأنها تسير باتجاه عكسي مع الزمن- كان ديدنها تكريم هؤلاء بعد رحيلهم، أو التكريم لأسباب تخدم مصالحهم الضيقة، بينما الإقصاء هو حال الأصوات الثقافية العربية الحرة، أما ما أعلن ظهر أول من أمس في أبوظبي، لأسماء الفائزين بجائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب، فهو دليل حي - بعد التعرف على أسماء هؤلاء المبدعين- على وعي الأمة في هذا الوطن حاكماً وشعباً ومؤسسات لقيمة الإبداع الحقيقي.
فالتكريم جاء في حياة هؤلاء المبدعين، والتكريم جاء متوافقاً مع توقعات الأغلبية من مثقفي الإمارات، منذ الإعلان عن إطلاق الجائزة، بمعنى آخر عدالة الجائزة في منحها لمن يستحقها، كما أن اختيار اسم الجائزة التفصيلي «جائزة الإمارات» أي جائزة الوطن، للعلوم والفنون والآداب - بمعنى شمولها لركائز الحياة الحقيقية، فليس هناك أمة تستطيع النهوض والرقي على وجه الأرض دون هذه الركائز الثلاث التي عليها قامت جميع حضارات المعمورة، أما أصحاب التكريم؛ فهم كالنار على علم، في الإنجاز والمنتج الثقافي والفكري والعلمي، وفي مغايرتهم واختلافهم بصورة مبدعة لما يناظر نتاجهم من منجزات الآخرين، ولا ندعي -ونحن بصدد الكتابة عن بعض ما أنجز هؤلاء المبدعون- أننا سنحيط عبر هذه السطور بإنجاز أبناء الإمارات، بل هي قراءة تعريفية أولى لنتاجهم الخلاق، فنجوم الإمارات الخمسة أضاءوا بإبداعاتهم سماء الوطن.
نجيب الخاجة وثورة الجينات
أول نجوم هذا الفضاء طبيب إماراتي جراح يعتبر أحد رواد الطب وجراحة القلب في الإمارات، وهو الدكتور نجيب الخاجة الذي يترأس المركز العربي للدراسات الجينية في دبي، حيث يعتبر هذا المركز فريدا من نوعه في المنطقة، وللتعرف على منجز هذا المركز الذي ارتبط اسم الخاجة به، نقول إنه وفي السنوات القليلة الماضية حدثت ثورة علمية في العالم الحديث تتعلق بمشروع الجينوم البشري ومدى فهم العلماء للأمراض الوراثية عبر هذا المشروع.
وقد خصص الدكتور الخاجة جانباً كبيراً من اهتمامه العلمي والشخصي -إضافة لبحوثه القيمة في مجال جراحة وأمراض القلب- لجمع الإحصاءات الطبية والتشخيص المرضي للعديد من الحالات في داخل الدولة وفي البلدان العربية لمعرفة سلسلة الأسباب الوراثية الخاصة بالقومية العربية، واستطاع المركز بفضل جهود الخاجة وكادره الطبي؛ من التعرف على مئات من هذه العلل الوراثية وصلت عام 2004 إلى حوالي 950 علة، وتم توفير قاعدة بيانات هي الأولى من نوعها في العالم العربي بهذا الخصوص، والخاجة والمركز الذي يترأسه يقدم بذلك خدمة لأمة بكاملها وليس لأبناء وطنه الإماراتي فقط، وهو لم يدخر جهداً في تقديم الخدمات الطبية الجليلة لوطنه الإماراتي الذي كافأه بقليل من كثير عبر هذه الجائزة، وإن أردنا الحديث عن إنجازاته الأخرى، فيكفي أنه ساهم في إصلاح ما نسبته 97% من التشوهات الخلقية في الحالات المعروضة عليه، منذ نيله شهادة الدكتوراه من البورد السويدي، وله حضور دائم في مختلف الجمعيات الطبية بتخصص القلب في الخليج والعالم.
عبد القادر الريس.. حين يقترن الفن بالروح
لعل اسم عبد القادر الريس -الحائز على جائزة الإمارات التقديرية للفنون التشكيلية- وحده كفيل بأن يحيل مخيلتك إلى عوالم خاصة من الإبداع، والسياحة في فضاءات تتجه من سموات تتضمخ بحنين العشق الإلهي والتصوف الإنساني الذي يدرك ماهية الكون باعتباره من النعم الأصيلة لا الطارئة، وحين تفتخر المدارس الفنية العربية بروادها كفايق حسن أو جواد سليم من العراق أو محمود حماد أو نشأت المدرس من سوريا، فإن المدرسة الفنية التشكيلية الإماراتية يحق لها أن تفخر بالريس باعتباره أبرز رواد التشكيل الإماراتي، حيث تعتبر لوحات هذا الفنان الكبير واحدة من الملامح التي تميز المشهد الثقافي الإماراتي المعاصر.
وهي تجربة بصرية فريدة من نوعها تعيش مع التراث والعمارة التقليدية باعتبارها روحاً وجوهراً تحمل في أعماقها حساً إنسانياً مجرداً بعيدا عن المخيلة المادية، يقول عن أعماله: «أعشق العودة إلى البيوت القديمة بتفاصيل عمارتها ونتوءات خشبها المهمل وتأسرني الأبواب بشكل خاص».
ولعل المتابع للحركة التشكيلية في الإمارات يرى بصورة واضحة الأثر الكبيرة الذي تركته أعمال الريس في جيله والأجيال اللاحقة، وهذا يؤكد الكينونة والخصوصية التي تتمتع بها مدرسة عبد القادر الريس عن غيرها من أساليب ومدارس الفنانين الإماراتيين الذين غلب على العديد منهم في الفترة الأخيرة الميل إلى محاكاة المدارس الغربية في التجريد والعبثية والمدارس الانطباعية بحديثها وقديمها، يتحدث الناقد التشكيلي العراقي محمد الجزائري عن أحد معارض الريس التي أقيمت في دبي وكان للأبواب فيها نصيب الأسد ضمن اللوحات المرسومة: «إن عبد القادر الريس يعيد إنتاج نفسه وهواه مثل تراثي حريص لا يحافظ على المخطوطة - وحدها- بل على «غبارها» أيضا.
ورائحة عتقها، كأنه يسكب من عاطفته بالآن ذاته وبالقدر نفسه من الشعور إزاء لوحاته جميعا، مانحا تلك «الأمانة الموضوعية» قدرة أن ترى بحنين ويتعاطف معها كأنها الأندلس الغائبة مع أن عناصرها لم تزل موجودة حتى لو سطت عليها عمائر الكونكريت والألمنيوم وأبنية الزجاج المشيدة على رمل المكان قبالة البحث والملح والتاريخ إذ ثمة أزقة وبيوت وأبواب وحيطان و«براجيل» هي ليست «قرية تراثية» للسياح والزوار، بل مكاناً آمناً لأناس عاشوا فيها وما زالوا.
عيد الفرج.. مدرسة الفن الأصيل
هو اسم يتفق جميع أهل الأدب والفن في الإمارات على اعتباره «مدرسة فنية» قائمة بذاتها، فهو ملحن ومطرب وعازف ومؤرخ فني ومؤسس أول فرقة قومية للفنون الشعبية في الإمارات، غنى له العديد من مطربي الزمن الجميل ليس أولهم جابر جاسم وليس آخر من غنى له من الفنانين صوت السحر الرائع أصالة نصري، أما ولادة فناننا والمكرم بالجائزة التي يستحقها عيد الفرج فهو الفنان الوحيد الباقي من الأحياء من أيام زمن الفن الجميل، من مواليد إمارة عجمان ترعرع في بيئة فنية حيث كان والده رئيس فرقة العيالة، وكان منذ طفولته المبكرة ذواقا للفن ومرافقا لوالده شكل أول فرقة موسيقية في البحرين في العام 1966.
ولدى عودته إلى الإمارات شكل أول فرقة موسيقية في نادي الناصر في عجمان، صاغ الفنان عيد الفرج مجموعة موسيقيات تراثية بتوزيع أوركسترا شاركت بها الدولة في كل لشبونة وهانوفر في ألمانيا، كما أسس الفرج أول فرقة موسيقية متكاملة وشاملة للعود والقانون والناي وغيرها في الإمارات.
وأسس أول فرقة قومية للفنون الشعبية تابعة لوزارة الإعلام والثقافة، وما زالت تمثل الدولة في المهرجانات الفنية والموسيقية، ومازال الفرج منذ العام 1982 عضوا وممثلا لدولة الإمارات في المجلس التنفيذي للمجمع العربي الموسيقي التابع لجامعة الدول العربية ونائبا للرئيس فيه، وتعتبر البحوث الفنية التي كتبها الفرج من أهم المراجع الفنية في الإمارات، ولمعرفة قيمة ما كتبه الفرج من بحث عن فنون الغناء والموسيقى الإماراتية وتاريخها، نقتطف هذا المقطع من نصه في هذا المجال والذي يبين الجهد الذي بذله الفرج في جمع المادة، حيث يذكر مجموعة أسماء يجهلها جيل اليوم: «وكان أول من أحيا أفراح الأعراس في الإمارات الفنان يوسف تقي» من رأس الخيمة.
وكان ذلك في العشرينات من القرن العشرين تلاه محمد عبدالرحيم وأحمد بي دريس من دبي، ولم تكن لهم أغان مسجلة خاصة بهم وانما كانوا يرددون أغاني الفنانين الآخرين باستثناء محمد عبدالرحيم الذي سجل اسطوانة واحدة لم يعثر عليها وكان ذلك في الأربعينات. وفي الأربعينات التي تعتبر الانطلاقة الحقيقية للأغنية الإماراتية برز الفنان حارب حسن كأول فنان لحن وغنى لنفسه بل اعتبر أول من ابرز الهوية الإماراتية في الأغنية الخليجية في تلك المرحلة.
قصص محمد المر.. أرشيف الذاكرة الإماراتية
أما النجم الآخر الأديب محمدالمر، فلا يمكن الإلمام بتجربته الأدبية إلا عبر كتاب خاص يشمل سيرته الأدبية وقراءة أعماله بصورة نقدية بعيدة عن القراءة الصحفية المتعجلة والمختصرة، يقول عنه الكاتب الصحفي العربي يوسف أبو لوز في كتابه شجرة الكلام ما نقتبس منه بتصرف: «عند إنجازه لقصة قصيرة يكون حريصا على عدم خروجه من حدود الإمارات وبالذات من حدود دبي، فموضوعه شبه جاهز دائما لغته جاهزة، بمعنى أنها لغة حاضرة في وعيه الإبداعي فإن جملته سهلة بسيطة مقروءة تستحوذ على قارئها أنه يكتب من داخلك.. من داخل حياتك.. وحياته.
ويتناول البيت لا أسوار البيت كما أنه يتناول حركة وجدان الإنسان وإقامته في يومه ويقيس نبض الحزن والفرح والخسارة والبهجة والألم لدى الإنسان» أما أسلوبه لكتابة القصة فهو واقعي يتميز بالجوهر الصادق، فهو يدافع دائماً عن لغته وأسلوبه بثقة عالية، حيث يقول متحدثاً إحدى مجموعاته القصصية: «عبارة عن حكايات تتناول مجتمع الإمارات، تعاملهم مع التغيرات حكايات عن كرههم وفزعهم وعقدهم وحكايات عن الذاكرة الجماعية وحكايات عن ناس بسطاء..
في الحقيقة تتكلم عن رهبة الموت وعن مرور الأيام وعن مفارقات العيش في مدن الغوص والبترول والرمال» فهو شديد الاهتمام والتركيز على تصوير المكان والزمان الإماراتي. ويلاحظ ميله للأسلوب الكلاسيكي الراقي البعيد عن التسطيح والارتجال، والارتقاء بالتجربة والأجواء المحلية للقصة بأدوات تقربها لقارئها سواء كان شرقياً أو غربياً.
أما نتاجه فقد أخذ خطاً بيانياً يتجه إلى الترقي والصعود على عكس مجايليه من أدباء الإمارات الذين ركنوا واطمأنوا إلى ما أنتجوا - ونحن لسنا بصدد الحديث عنهم - فالمر ومنذ إصداره لمجموعة القصصية الأولى «حب من نوع آخر» عام 1983 إلى أن أنجز مجموعاته القصصية الثلاث عشرة، وهو ينحاز إلى التعامل مع النص بوصفه صورة ناطقة لمكنونات المجتمع الإماراتي، ولعل ذلك هو ما دفع الباحث الإماراتي أحمد محمد عبيد أن يكتب بحثه النقدي الاجتماعي مشكلات مجتمع الإمارات في قصص محمد المر.
كما دفع نتاج المر الذي يرقى بأن يكون «عَلَم القصة القصيرة الإماراتية» بالعديد من النقاد والكتاب إلى اختيار تجربته كظاهرة ومادة بحثية يستطيعون من خلالها تحليل ورؤية النتاج الأدبي الإماراتي بصورة أوضح من غيره من أدباء الإمارات، وقد اجتذب نتاجه القصصي واحداً من ألمع نقاد وأساتذة اللغة العربية في العصر الحديث العراقي وليد محمود خالص لكتابة بحث متكامل عن تجربة المر القصصية باعتبارها الأنموذج المشرق للقصة القصيرة في الإمارات.
ونختم هذا الفصل المختصر من تجربة محمد المر القصصية بشهادة موسوعة «ويكيبيديا» العالمية التي تبث عبر الإنترنت بأكثر من ثلاثين لغة التي يقول نصها العربي ما يلي: لقد ازدهر هذا اللون من الأدب - القصة القصيرة - في أنحاء العالم المختلفة طوال قرن مضى على أيدي «موباسان» «زولا» و«تشيخوف».. إلى أن يقول النص وفي العالم العربي بلغت القصة القصيرة درجة عالية من النضج على أيدي يوسف إدريس من مصر، زكريا تامر من سوريا ومحمد المر من الإمارات.
فاطمة الصايغ.. الصورة المشرقة لبنت الإمارات
أما نجمتنا الأخرى التي احتفت بها أرض الوطن مساء أول من أمس؛ فهي ابنة بيت نهل من العلم حتى ارتوى، ومن محاسن الصدف التي أعانتنا بالإحاطة ولو قليلاً بسيرة الدكتورة فاطمة الصايغ، هي تلك المقالة المتكاملة التي كتبتها قبل أيام في «مرايا البيان» زميلتنا الصحافية إيمان قنديل، وكأن التوافق بين هذه المقالة ونيل الصايغ لجائزة الإمارات التقديرية في البحوث والدراسات قد جاء ليخفف عن كاهلنا عبء آلاف الصفحات في الإنترنت والكتب التي تتحدث فيها الصايغ عن رؤيتها للعديد من القضايا التي تخص تاريخ الخليج والإمارات والعديد من القضايا السياسية والاجتماعية العربية، ونورد جزءاً من تلك المقالة في هذا المقام: نشأت الدكتورة فاطمة الصايغ في بيت علم ودين، والدها هو حسن الصايغ مؤسس المدرسة الأهلية أول مدرسة نظامية في دبي، ووالدتها وجدتها من حافظات القرآن الكريم، وجاءت هي في منتصف عشرة من الإخوة والأخوات بالتساوي.. نالت الصايغ الدكتوراه من المملكة المتحدة في التاريخ، بعد أن نالت الماجستير بنفس التخصص من أميركا، وهي حالياً أستاذ بجامعة الإمارات.
وقد توجت الصايغ مسيرتها التي كتبت فيها عشرات البحوث والدراسات القيمة، بالعديد من الجوائز كجائزة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم للتفوق العلمي عام 1991، وجائزة العويس لأفضل كتاب عن الدولة عام 1997، وعشرات الشهادات والجوائز من مختلف المؤسسات، ليس آخرها جائزة الإمارات التقديرية التي استحقتها بامتياز؛ عن شغف الصايغ بالمطالعة وعشقها للكتب تقول صديقتها الفنانة التشكيلية الإماراتية نجاة مكي: أهم مميزات فاطمة في طفولتها انها مرحة بشوشة الوجه لا تفارق الابتسامة وجهها وتلك هي أجمل صفاتها حتى الآن أيضا.
وكانت مجتهدة تستذكر دروسها بحب واجتهاد، و من النادر أن تراها دون أن تكون ممسكة بالكتب الدراسية. أما المؤرخ العراقي الدكتور فالح حنظل فيقول عنها - مستذكراً لقاءه الأول بها: هي صاحبة الخطوة الأولى في عالم المرأة الإماراتية الجديد والتي أخرجتها من كونها مجرد ماكينة تفريخ وطباخة في المطبخ إلى امرأة رائدة بعلمها تتحدى ظلمات الجهل والتخلف.
أما حسن محجوب أخصائي نظم المعلومات الجغرافية في جامعة الإمارات أشار الى انه يعرف الدكتورة فاطمة منذ 12 سنة تقريبا، وانه خلال تلك الفترة استطاع أن يتعرف على شخصيتها عن قرب، فبجانب كونها نشيطة أكاديميا تعد واحدة من الصفوة في مجال البحث العلمي وصورة مشرفة لبنت الإمارات.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري

