يواصل الملتقى الفكري «المسرح والحرب» المرافق لفعاليات الدورة الثالثة من مهرجان طرطوشة الدولي للمسرح في قاعة مسرح فيليب ايرنانديث جلساته الحوارية بين ممثلين وكتاب ومخرجين مسرح من بلدان أوروبية وعربية حول التطلعات والآمال المعلقة على المسرح بوصفه فناً إنسانياً في قدرته على دعم السلام ونبذ الحروب والدعوة لحوار إنساني مفتوح يتجاوز العقبات باتجاه التأثير في واقع مأساوي أفرزته الحروب والعداوات.

ففي الجلسة التي عقدت صباح الثلاثاء الماضي أشارت مؤلفة المسرح الاسبانية ومساعدة مدير مهرجان طرطوشة المسرحي جلوريا مونتيرو إلى أهمية مثل هذه الملتقيات التي تجمع فناني المسرح من بلدان وثقافات مختلفة للجلوس إلى طاولة واحدة لبحث إمكانية إسهام المسرح في عمليات السلام، وأضافت جلوريا إننا هنا في هذا المهرجان ومن خلال حوار الثقافات الذي نتبناه نأمل أن تكون الحوارات التي يديرها المسرحيون أساسا للعمل المسرحي المستقبلي الذي يحمل خطابا ضد الحروب وضد الدمار.

إنها دعوة لنشر السلام عبر فن المسرح في ظل ديمقراطية حرة وفن حر يتجاوز الأيدلوجيات وخطاب التطرف. إن المسرح اليوم هو أفضل وسائل الإبداع في التأثير وفي فعل الثقافة ولهذا علينا الاتكاء عليه ونحن ماضون باتجاه السلام. وكانت المتحدثة الأولى في الجلسة الممثلة القبرصية كاتيرنا لورا التي عرفت عن نفسها وعن عملها المشارك، وهو عبارة عن عرض موسيقي راقص، وقالت إن المشاركة في مهرجان طرطوشة «بين الثقافات» يعني أننا نؤيد التوجه إلى السلام والى خلق عالم أكثر أمنا للمرأة والطفل والحياة، إن هذه الحياة يجب أن نستثمرها في صالح البشرية، ونحن معكم ندعو إلى نبذ الحرب والإرهاب.

وقدم المسرحي المغربي الحسن النفالي ورقة تناول فيها دور المسرح في التعبير عن أراء المتحاربين، مشيرا إلى دور الكتاب العرب من أمثال سعدالله ونوس والفريد فرج وعلي سالم وعبدالرحمن الشرقاوي والذين تناولوا في نصوصهم الأسباب التي أدت إلى الحرب، كما تناول دور كتاب المسرح الإسرائيلي في تناولهم لخطاب الاستعمار ومحاولة تغطيته بالأعذار. ونبه النفالي إلى ضرورة إدراك أن حرب إسرائيل مع العرب حرب غير متكافئة، ولهذا فإن المسرح منذ أن بدأ وهو يناصر الحق والحقيقة ويقف إلى جوار المظلومين..وتساءل: هل يمكن طرح الحرب على المسرح؟

وهل يمكن للمسرح أن يقف مع السلام؟ إنه للإجابة عن هذين السؤالين يجب أن تكون في حالة الحرب المتكافئة، لكن في ظل عدم التكافؤ، كيف يطلب من الشعب الذي تحتل أرضه ويضرب ويقصف بالطائرات أن يكتب مسرحا يدعو إلى السلام؟ وأضاف النفالي: إن الدول المتسلطة اليوم وهي تشن حروبها نرى أن مسرحها يحرضها على الاستمرار في الحروب، وهو بالتالي مسرح لا يدعو إلى السلام بل يدعو إلى الحرب.. ثم إننا مازلنا إلى الآن لم نتفق على مفهوم واحد للسلام، فالسلام الذي يراه العرب غير السلام الذي تراه أميركا وغير السلام الذي يراه الأوروبيون، إذاً علينا أن نتفق أولا على صيغة للسلام حتى نتفق بعد ذلك مسرح يدعو للسلام.

التونسي حمادي الوهايبي قدم هو الآخر ورقة حول المسرح والحرب فيها اختلال الحوار واختلال الثقافة وانغلاق العقل الغربي على تيار المثقفين العرب الذي يطالبون بالحرية والسلام. وقال: إن في تونس هناك تجربة مسرحية جديرة بالاهتمام تدعو مواضيعها إلى نبذ الحروب ونبذ التطرف ونشد الحرية، لكن يبقى أن الاشكال الكبير هو في الطرف الآخر الذي لا يريد أن يفهمنا.

أخذت جلسة الملتقى منحى آخر حينما طرحت إحدى الحاضرات قضية التطرف الديني المنتشر عند العرب، حيث توالت ردود المسرحيين العرب الحاضرين ليندفع الحوار إلى مناخ الجدل السياسي، فعادت مديرة الجلسة جلوريا مونتيرو لتقول: إن حوار الجلسة خرج عن إطاره الداعي إلى إيجاد اتفاق وصيغة تفاهم حول مسرح يدعو إلى السلام ونبذ الحروب. وقال المغربي النفالي إن القوى المتسلطة هي التي تشعل الحروب وبعد كل حرب يخرج علينا من يتطرف ضدها، واتفق المسرحي الفرنسي البرت فيدال مع النفالي مشيرا إلى أن من يدير حروب اليوم هم من يريدون السيطرة على الاقتصاد.

فيما أشار التونسي الوهايبي إلى ضرورة فهم الغرب والأوروبيين للثقافة العربية وضرورة الاطلاع على تجارب المبدعين العرب، والى معاملة صورة العربي في الأفلام السينمائية معاملة مختلفة، مؤكدا أن هناك تطرفا محسوبا على الفن السينمائي الغربي حينما لا يظهر العربي إلا وهو غاضب وقاتل وشرس، لكن لا يتم تبني أفلام تظهر العربي في صوره الحقيقية، فليس هناك فيلم أميركي واحد يتناول العربي كشاعر ومبدع وإنسان عظيم.

طرطوشة ـ مرعي الحليان