يدهشك الفنان البريطاني البروفيسور برندن نيلند الذي يقيم معرضاً استعادياً لسبعين عملا له في متحف الشارقة للفنون هذه الأيام، يدهشك بامتلاكه لتقنية خاصة به في تعامله مع الرسم والطباعة والتصوير والألوان في آن واحد، وقدرته على التقاط وتدوين اللحظات الهاربة لانعكاسات الأشياء على السطوح النقية الصافية،
أكان سطحاً للماء أو لزجاج الأبنية.. وحيث إنه مهتم بتصوير البيئة المدنية، فإن اللوحة نفسها، تركيبها وألوانها، مهمة جداً بالنسبة له وبسبب الطبيعة الزائلة للموضوع، فإنه يستخدم كاميرا للحصول على المعلومات المطلوبة.
ويقسم الفنان نيلند عمله إلى مراحل، والمرحلة الأولية تكون عبارة عن تحديد التركيب الأساسي، وهو الغطاء الأول الذي تعود له مرجعيات كل الأغطية »الأقنعة« التالية، ومعظم القرارات التركيبية المهمة يتم اتخاذها في هذه المرحلة، وغالبا ما يكون هنالك أكثر من غطاء للوحة الواحدة وكل غطاء أو قناع يتم تقطيعه، ورشه على القماش، وبعد التقطيع والرش، يبدأ تحديد الشكل العام للوحة.
أما تعامله مع الألوان، والاكريليك تحديداً، فيقوم - كما يقول - بتخفيفه بالماء كي يصبح متدفقاً وغير براق، بحيث يمكن استخدامه في الرش، وبعد شد القماش، يرسم عليه بالفرشاة طبقات رقيقة من اللون الذي أختاره كأساس للوحة.. ويستخدم البخاخ لأنه يزيل الاضطراب عن سطح القماش،
وبسبب اللون الثابت والتغيرات اللونية التي يمكن الحصول عليها، يبدو البخاخ مثاليا للعمل في مثل هذا الموضوع، وكونه يعمل ضمن نطاق محدود من الألوان، فآخذ اللون الواحد موسعا في تغير ظلال الألوان ودرجاته، يعود جزء منه إلى الموضوع والجزء الآخر إلى الغنى الصامت الذي يطمح إليه من خلال اللوحة.
لقد تركزت أعمال الفنان برندن على المناظر الحديثة المنسوبة للمدينة، مثل انعكاسات المباني الشاهقة ذات الواجهات الزجاجية، أو انعكاس المباني ذاتها على سطوح الماء المتحركة، مما يعطي تشويهات وتموجات خادعة للمباني، أو تصوير الآلات بأسلوب تبدو فيه المحركات كأساس للأشكال عبر تشكيلات اللون والضوء، أو الخدع الضوئية والأشكال التي تتراءى من خلال نوافذ القطار، أو انعكاس حركة السحب على سطوح السيارت.
بعيداً عن هذه التقنية البسيطة والمعقدة في آن أيضاً، والتي تشعرك أن بمقدوره أن يتناول أي شكل سواء كان من المعدن، الزجاج أو الضوء في شوارع المدينة ويجعلك تشاهد ذلك برؤية جيدة جداً.
فان الأسئلة المتدفقة مع ألوان الفنان تدور عن مرجعيته وأفكاره وأسباب اختياره للقطات محددة بحيث يبدو أن ثمة تكرارا ومحدودية لجوانب معينة من المدينة، ويزيد على ذلك أن الانعكاس قاسم مشترك لكل اللوحات، وكل اللوحات خالية من البشر،
مما يوحي أن المعرض - رغم أنه استعادي - يبدو نتاج تجربة واحدة، فسطوح الواجهات الشاهقة دائما تبدو نقية ونظيفة خالية من التلوث الصناعي الذي يجسده أيضا برسم محركات الرولزرايس »مع التحفظ على الجانب الدعائي لتلك الشركة« والمياه نقية صافية مع علمنا بما تقوم به المدنية الحديثة والشركات الصناعية من تلويث للبيئة بشكل عام،
من بحار وأنهار وأجواء وهواء.. فما الذي يريد أن يقوله الفنان؟ وأي بواعث للحياة تجسد تصوراته؟ هل يسعى بأعماله لمدنه التي يحب أن تكون عليه؟ وإذا كان ثمة مدن فاضلة يحلم بها، فكيف تكون خالية من البشر؟