الكثير من المدارس الروحية أعلت من شأن المحبة وجعلتها الأساس الأول في فهم العالم والطريق الأساسي للتخلص من الشرور والعوالق التي تطرأ على الإنسان في الحياة وتلوث جوهره الخالص بعد الولادة.

المدارس الصوفية الإسلامية رأت في المحبة المرحلة الأخيرة من مراحل الارتقاء والصفاء والذوبان في النور الإلهي الخالص، والوصول إلى هذه الدرجة من النقاء والتماهي مع المطلق يحتاج إلى تمارين صعبة جداً تبدأ بالزهد والتخلي عن كل مغريات الحياة إلى أن يصل الإنسان إلى مرحلة الكشف والاقتراب من الحقيقة الكونية حيث تتكشف جواهر وأسباب وأسرار الوجود للصوفي ويبدأ بعدها بامتلاك طاقة المعرفة واستثمارها في الخير.

وغير الصوفية، فإن جميع المدارس بلا استثناء جعلت من المحبة أساس العمل والارتقاء. وهناك في الفلسفة الشرقية العشرات من التمارين التي تقود إلى امتلاك أسرار وطاقة المحبة ومنها تمارين سهلة في التأمل بأن يجلس الإنسان يومياً في حالة هدوء واسترخاء تام ويغمض عينيه ثم يبدأ بتخيل المحبة على شكل نور في صدره، ثم يبدأ بإخراج هذا النور على شكل عمود ضوئي مستقيم يخرج من قلبه ليصل إلى قلوب الآخرين.

كأن يبدأ بعائلته فرداً فرداً ثم الأصدقاء والأقرباء وهكذا حتى يغطي كل الأرض وكل الناس بنور المحبة بما فيهم الأشخاص الذين يكرههم. وبشرط ضروري ومهم وهو أن تكون المحبة خالصة وبلا غرض أو طمع في فائدة. وبعد أسابيع من ممارسة هذا التمرين يتخلص الإنسان من كل الكراهية السلبية ويبدأ بقبول الناس وتقديم الأعذار لهم مهما كانت درجة الإساءة التي يقابلونه بها. وعادة ما يأخذ هذا التمرين نحو عشر دقائق فقط.

تمرين تأملي آخر في ثقافة المحبة هو أن تجلس وتغمض عينيك وتتخيل الأرض على شكل كرة صغيرة أمامك وتبدأ بإرسال نور المحبة من قلبك إلى كل كائن ومخلوق. وتتخيل بأن هذا النور الذي ترسله بكل إخلاص وصدق يخرج من عمقك الداخلي ويصل إلى قلوب كل فرد على الكرة الأرضية وبعدها يبدأ هذا النور بتطهير قلوب البشر، فتتخيل أن المحبة تحل محل الكراهية،

والأمل مكان اليأس، والنور مكان الظلام إلى أن تمتلئ الأرض كلها بنور المحبة وتصبح مشعة براقة وتحيطها هالة بيضاء، وبقليل من الجهد يمكن ان يصبح هذا التمرين طريق الإنسان إلى نفض غبار الكراهية من داخله ومن محيطه، وبعد أقل من شهر على ممارسة هذا التمرين يمكن للإنسان ان يلاحظ التغيرات الكبيرة التي ستحدث له وخصوصا في علاقاته بالآخرين.

المحبة ثقافة أولاً، وهي أيضاً طاقة حقيقية يملكها الإنسان ويستطيع بها أن يغير العالم، والمحبة هي جوهر الإنسان وأصله قبل أن يتعرف على الشر في الدنيا، وإذا ما استطعنا تسخير هذه الطاقة النورانية في أفعالنا وسلوكنا فإن الكثير من الدموع سوف تتبخر بسرعة، وستكون الأرض أكثر أماناً وسلماً.

akhozam@yahoo.com