توفي أسطورة كرة القدم المجري فيرينك بوشكاش عن 79 عاماً صباح أمس بحسب ما ذكرت الصحف المحلية. وكان بوشكاش الذي يعاني من مرض «الزهايمر» أدخل إلى العناية الفائقة أول من أمس في حال حرجة لمعاناته من ارتفاع حاد في الحرارة بحسب ما أفاد ناطق باسم عائلته.
وكانت صحيفة «نيمزيتي» الرياضية المحلية ذكرت في موقعها على شبكة الانترنت ان بوشكاش خضع لعملية جراحية ويتم تغذيته بواسطة الحقن في شكل متواصل. وادخل النجم السابق لفريق ريال مدريد الاسباني إلى مستشفى «كوتفولغي» المحلي في العاصمة المجرية بودابست منذ 6 أشهر.
ويعتبر بوشكاش من أهم لاعبي القرن الماضي، إذ قاد منتخب بلاده الاولمبي إلى إحراز الميدالية الذهبية في دورة الألعاب الاولمبية عام 1952، والى المباراة النهائية لكأس العالم التي خسرتها المجر أمام ألمانيا 2-3.
ولعب بوشكاش 84 مباراة دولية وسجل خلالها 83 هدفا بين أعوام 1945 و1956 في الفترة التي عرف فيها المنتخب المجري بلقب «الفريق الذهبي»، قبل أن ينتقل الى ريال مدريد في حقبته الذهبية عندما سيطر على مسابقة دوري إبطال أوروبا أواخر الخمسينات ومطلع الستينات.
موهبة رائعة لن تتكرر
من طفل بسيط في بودابست إلى رمز في مدريد، هكذا يمكن اختصار حياة أحد نجوم المنتخب المجري بداية الخمسينات الذي أبهر العالم بإمكانياته الفنية والبدنية العالية.
انه فيرينك بوشكاش الذي أبصر النور في 2 أبريل 1927، ابن لاعب وسط نادي كيشبيشت (احد الأحياء الشعبية في العاصمة المجرية)، بدأ يكتشف اسرار اللعبة منذ نعومة أظافره عندما كان يمارس هوايته المفضلة مع أقرانه من الأطفال في شوارع بودابست.
انضم بوشكاش إلى أشبال نادي كوبانيا المتواضع، حيث تعرف على الثنائي الشهير لازلو كوبالا وجوزيف بوشيك، ليصير الثلاثة من ابرز نجوم المنتخب المجري فيما بعد. كان لبوشكاش الاب دورا كبيرا في صقل مواهب ابنه لأنه كان يشرف على تدريب أشبال نادي كيشبيشت الذي انضم اليه بوشكاش لاحقا.
بوشكاش الاب كان حازما في تدريب ابنه، لانه اراد ان يجعل منه نجما، ولان تحقيق هذا الهدف يتطلب عملا جبارا ومجهودا ضخما، عانى الطفل كثيرا مع اسلوب ابيه القاسي، ويروي انه كان مجبرا على تعلم تسديد الكرة بالرجل اليمنى، ومر على تمرينات عديدة قبل ان يصير يتقن اللعب بالرجلين.
في سن السادسة عشرة في 16 ديسمبر سجل بدايته ضمن فريق كيشبيشت للكبار، وفي أول مباراة له تمكن من تسجيل هدف عزز به فوز فريقه.
بدأ مع المنتخب المجري صيف عام 1945، وفي عام 1948 وبعد ان استولى الشيوعيون على الحكم، تغير اسم نادي كيشبيشت الى هونفيد الذي صار يعرف بنادي الجيش المجري. بوشكاش الذي كان لغاية هذه السنة لاعبا هاويا غادر المصنع الذي كان يعمل فيه، ليصير احد جنود الدولة في الجيش المجري، ولهذا يقول بوشكاش «لقبت بالمايجور لكن في الواقع لم أكن الا عقيدا».
لكنه كان قائد ميدان حقيقيا في صفوف المنتخب برفقة صديقه بوشيك، ورئة الفريق زولتان تسيبور وساندور كوتشيش الملقب زبالرأس الذهبيةس، فعرف المنتخب المجري في حقبة الخمسينات بالفريق الذهبي.
كان بوشكاش لاعبا نادرا بفضل ما يمتلكه من مهارات فنية جعلته قادرا على القيام بكل ما يريد فعله على البساط الأخضر من مراوغات وسرعة فائقة وتسجيل أهداف من كل الزوايا، وذلك برغم بنيته المتواضعة (70ر1 م و70 كغ)، فكان بذلك ملهم فريقه الذي حصد الألقاب المحلية الواحد تلو الآخر في غياب المنافسات الأوروبية آنذاك.
ونفس الكلام ينطبق على بوشكاش ضمن منتخب بلاده الذي سطع نجمه في تلك الفترة (1950-1954) فمن أصل 34 مباراة خاضها فاز في 28 وتعادل في 4 ولم يتذوق طعم الهزيمة، سجل لاعبوه 145 هدفا وتلقى مرماهم 36 هدفا فقط، وهو انجاز لم يسبقه أي احد حتى المنتخب الإنجليزي العريق.
هذا الأخير لم يتلق أي هزيمة على أرضية ملعب «ويمبلي» الشهير رضخ لإرادة زملاء بوشكاش « في 25 نوفمبر عندما تلقى هزيمة نكراء (3-6) سجل منها بوشكاش هدفين، هذه النتيجة نزلت على أنصار المنتخب الإنجليزي».
الانجليز لم يهضموا الهزيمة، فأرادوا الثأر ورد الاعتبار في 23 مايو 1945 في بودابست إلا أنهم عادوا يجرون أذيال الخيبة بعد تلقيهم هزيمة مذلة (1-7).
بهذه النتائج الرائعة، فهم العالم ان المنتخب المجري سيكون المرشح الأقوى لنيل لقب مونديال سويسرا 1954، وكشف »بوشكاش عن نواياهم منذ الدور عندما سحقوا كوريا 9-صفر، ثم ألمانيا 8-3 هذه المباراة التي أصيب نجم المجر بعد حركة غير رياضية من المدافع الألماني لييبريخ.
وبرغم غياب بوشكاش إلا أن المنتخب المجري واصل مشواره في المنافسة بتألق، فأزاح البرازيل من طريقه (4-2)، ثم فاز على الاوروغواي حاملة اللقب بنفس النتيجة في مباراة الدور نصف النهائي. وفي 4 يوليو 1954 في برن كانت المباراة النهائية بين المجر وألمانيا، وكان بوشكاش بدأ يتعافى لتوه من الإصابة، غير انه قرر اللعب مهما كلفه ذلك، ودخل أساسيا،
حيث تمكن من تسجيل الهدف الأول منذ الدقيقة السادسة ثم أضاف شيبو الهدف الثاني، عندها ظن الجميع ان المجر ستتوج بطلا للعالم، غير ان الألمان قلبوا كل التوقعات وتمكنوا من تعديل النتيجة ثم أضافوا هدفا ثالثا قضوا به على أحلام بوشكاش وزملائه.
غير ان هذا التعثر وبرغم مرارته لم يؤثر طويلا في نفسية اللاعبين الذين رفعوا التحدي مجددا وتمكنوا من لعب 19 مباراة دون ان ينهزموا ولو في واحدة، قبل ان يقود الشعب المجري في 23 أكتوبر تمردا شعبيا على النظام الشيوعي الحاكم وأشيع خلال الأحداث ان بوشكاش لقي حتفه في المواجهات الدامية الأولى التي شهدتها العاصمة بودابست، غير انه تبين فيما بعد ان بوشكاش لم يصب بأذى.
رحل بوشكاش الى فيينا وعاش على المساعدات التي كان يبعث بها له صديقه كوبولا الذي كان يلعب في صفوف برشلونة الاسباني. وفي 13 فبراير 1958 قرر الاتحاد الدولي العفو عن اللاعبين المجريين، غير ان اسم بوشكاش لم يعد له نفس البريق السابق، حيث نسيه الجميع، ما عدا مدربه في هونفيد سابقا اميل اوستيريشر الذي كان يشرف على ريال مدريد الاسباني، فتمكن من إقناع رئيس الريال سانتياغو برنابيو بضرورة ضم بوشكاش الى تشكيلة الفريق.
الصحافة المحلية انتقدت قرار رئيس ريال مدريد، وتساءلت طويلا عن جدوى ضم لاعب بلغ من العمر 31 عاما وعن الخدمات التي يمكن له ان يقدمها الى الفريق. غير ان بوشكاش الصامت، كان يعرف انه ما زال يكتنز الكثير من الإمكانيات، وكان على الثقة بأنه سيبدأ من مدريد مشوارا جديدا أكثر لمعانا من سابقه.
فتمكن من حصد خمسة القاب دوري، واختير خمس مرات افضل هداف في الدوري الاسباني،وساهم بقوة في تتويج فريقه باللقب الأوروبي على حساب اينتراخت فرانكفورت عندما هزمه (7-3) سجل منها بوشكاش 4 أهداف. وبعد ان كان اللاعب غير المرغوب فيه، صار الابن المدلل لفريق العاصمة ومشجعيه، بفضل ما قدمه واظهر عنه من إمكانيات جعلت من ريال مدريد فريقا أسطورة، وتمكن من تسجيل 35 هدفا في المنافسات الأوروبية.
وفي 26 مايو 1969، كان لنجم الريال آخر موعد مع جمهوره وعشاقه في مباراة ضد رابيد فيينا النمسوي أمام تأثر الجميع فكانت النهاية السعيدة لهذا المجري الذي صار اسبانيا بعد حصوله على الجنسية نهاية عام 1958.
