في إطار حرص أتيليه القاهرة بالتواصل مع المبدعين، أقامت لجنة الأدب بالأتيليه ندوة حول مناقشة رواية »عطر البرتقال الأخضر« للكاتب الدكتور شريف حتاتة حيث أدار الندوة أسامة عرابي، الذي بدأ الندوة بحديثه عن السيرة الذاتية لشريف حتاتة، مؤكداً أن أعماله تدل على رسوخ في أدبيته من خلال مواقفه البلاغية والأدبية وإسهاماته الفكرية وترجماته وأعماله الصحافية.
وذلك من خلال مناضلاته ضد المؤامرات الأميركية والتمييز والاضطهاد, وكشفه عن عالم جديد لا يعرف إلا اليقين، ولهذا تعد روايته »عصر البرتقال الأخضر« من أهم الروايات التي تجسد الأزمة النفسية التي يمر بها الشباب من خلال تجسيد يوسف البحراوي والتعبير عن تمزقاته الداخلية وعلاقاته غير السوية.
وأكد أسامة عرابي: ان د. شريف قدم لنا سرداً مركباً متداخلاً, فيه الأزمنة تتفاعل مع حركة الأحداث وشبكة العلاقات التي تعبر عنها الرواية من خلال علاقة الذات بالعالم الخارجي. وتكثيف الواقع وتجمع ملامحه في مرحلة معينة عاشت فيها مصر أيام 17 ــ 18 يناير سنة 1977 ومحنة كبيرة مثل اتفاقية كامب ديفيد واغتيال الرئيس أنور السادات، محاولاً طرح أسئلة كثيرة حينما تلاقى يوسف البحراوي مع الباحثة سحر بدوي التي تعمل في مركز البحوث حتى يعوض عن علاقات نسائية، مضت معها، مما يكشف لنا ــــ د. شريف ــــ مدى العلاقات المرتبكة التي جمعت بين يوسف وسحر بدوي، ويعبر من خلال هذه العلاقات عن تجليات أزمنة ومأزق سياسي وفكري عبر ازدواجية نظرته للمرأة.
وأضاف أسامة ان د. شريف استطاع أن يقدم رؤية بانورامية لمرحلة مرت بها مصر والمجتمع المصري عبر 1967، وحتى سنة 1981، بكل تحولات هذه الفترة وملابساتها التي أدت إلى صعود الليبرالية الجديدة، واندفاع وجود تيارات التطرف والاتجاهات الفكرية الجديدة، وأرى أنها رواية مفعمة بالكثير من الأحداث والوقائع الفكرية والسياسية أكثر منها إنسانية.
الرواية وأروى صالح
ومن جانبها أكدت الكاتبة أمل جمال: إن الأسلوب الجديد في الرواية يدور حول التساؤل المحوري، وقالت: إن د. شريف يستدعي شبح الكاتبة المنتحرة أروى صالح، وفي رأيي هو أسلوب جديد من خلال سرده التفصيلي الذي كنا نتشوق إليه من خلال الروايات السابقة للأدباء العظماء، لأنه يرصد أدق التفاصيل، ويدخل في عمق الشخصية ويرصد تناقضاتها وهواجها.
حيث يعبر عن الازدواجية في العلاقة بين يوسف البحراوي وسحر التي ماتت بعد ذلك في الرواية، فهي علاقة غير سوية، وعلاقة ينقصها الكثير، ولهذا ارتبطت بذهني بانتحار أروى صالح، لأن هذه العلاقة تعبر عن أنانية الرجل وقدرة المرأة على التضحية وتساءلت سحر بدوي عدة تساؤلات من خلال الأمن الدائري الموجود في الرواية، كما تشابهت شخصية سحر العامري في الرواية مع شخصية سحر بدوي في تصرفاتها وصفاتها، وفي رأي أن سحر بدوي ليس بديلة لسحر العامري الذي أحبها يوسف البحراوي ولا تستطيع أن تعوضه عنها.
أما الكاتب محمود الغيطاني فأكد أن هناك ثمة ملاحظة لافتة للنظر نراها في تلك الرواية وهي قدرة الروائي حتاتة على استخدام اللغة بمستويات مختلفة وذكاء فني وحرفية بالغة لاسيما لغة الحوار.
وقال: فنراه حينما يكون الحوار بين مجموعة من المثقفين يمون الحديث بينهم بلغة المثقفين وهي اللغة العادية البسيطة الدارجة دون استخدام الفصحى المتقعرة أو المهجور من الألفاظ، وبالمقابل حينما يكون الحوار مع الآخرين يتبسط تماماً ليستخدم لغتهم العادية، ونلاحظ ذلك في حوار يوسف البحراوي مع سائق التاكسي أو بائع الجرائد، كما توجد ملاحظة أخرى توقفت أمامها كثيراً لأهميتها البالغة ومن ثم أعدت قراءة العبارة أكثر من مرة.
وهي قدرة الروائي على استخدام اللغة بشكلها الوصفي الدقيق بصورة شاعرية كأنه يفجر ما تحمله المترادفات من صور لنراها كرؤية العين في قراءتها وكأنها شريط سينمائي يعبر أمام أعيننا، ولعلنا نلاحظ من خلال الجمل التصويرية في الرواية، فهي جمل بالفعل فائقة.
وأضاف: ان هناك ملاحظة أخرى تمثلت في كون الرواية شديدة التركيز، فلم نر أية تزيدات أو ترهلات وبالتالي إذا ما قمنا بحذف كلمة واحدة منها فهي بالتأكيد تخل ببناء الرواية، إلا أنه بالرغم من هذا التركيز تساءلنا كثيراً لما حرص الروائي شريف ومن ثم أصر على جعل أم يوسف البحراوي أيرلندية، وذكر ذلك أكثر من مرة داخل الرواية، وبالرغم من أن ذلك لم يفد السرد الروائي في شيء على الإطلاق.
وأوضح الغيطاني بأن أهم ما يلفت النظر في رواية »عطر البرتقال الأخضر« والذي يعد بمثابة التمييز الحقيقي من وجهة نظري الخاصة هو استفادتها الكثيرة بأسلوب السرد السينمائي واستعارة تقنياته الخاصة، حتى إنها أوصت لي أثناء القراءة وكأنني أشاهد أحد العروض السينمائية أو كأن الرواية قد كتبت خصيصاً للسينما وبلغة سينمائية خاصة.
أما عن التحولات السياسية والاجتماعية في الرواية فقال الغيطاني: نظراً للخبث السياسي واضطراب الرؤية في بعض الأحيان لدي الرئيس الراحل أنور السادات حينما حاول ضرب التيارات الأيديولوجية ببعضها البعض ومن ثم محاولته للتحالف ولو ضمنياً والوقوف إلى جانب المد الديني الممثل في الجماعات الإسلامية في مقابل ضرب الاتجاه الاشتراكي والمد الشيوعي الذي بدأت شوكته في التعاظم، فقد حرص الروائي شريف حتاتة من خلال روايته على رصد الكثير من هذه التحولات الاجتماعية والسياسية الخطيرة.
فيسوق لنا بذكاء موقفه مع ابن عمه ــ ضابط الجيش الذي تم الاستغناء عنه بسبب زوجته الأميركية وانتمائه لإحدى الجماعات، كما يرصد الروائي لقاء السادات (ببيجين) بشكل فيه الكثير من الذكاء والخبث الروائي، حينما حرص على عدم عرض وجهة نظر المثقفين وموقفهم إزاء ما حدث، بل يعرض الأمر من خلال وجهة نظر رجل الشارع العادي الذي يفتقر إلى الكثير من الإحاطة بالأمور.
وبالتالي يفسر الموقف تبعاً لأهوائه واحتياجاته الخاصة وفي الرواية عبارات وجمل كثيرة تدل على الإسقاط والتفكير البسيط للعوام الذين لا يبغون سوى الانتهاء فقط من شبح الحرب، والذين يتم تشكيل ثقافتهم الخاصة من خلال الإعلام الحكومي الكاذب حتى ولو كان ذلك بالسلام مع إسرائيل أو عقد اتفاقية كامب ديفيد.
رائحة البرتقال
وعن عنوان الرواية »عطر البرتقال الأخضر« تحدث الناقد يسري عبدالله وقال: ان هذا العنوان يدل على إرهاصات طويلة بالرواية وكأن أجزاءها متناثرة، فهذا العنوان يدل على بنية دالة ومعبرة عن فحوى النص، كما أن الرواية مروية بضمير الغائب مما يتيح لهذه الشخصية قدراً من التعبير عن نفسها مستخدم بها أكثر من صوت، فالروائي يبدأ حديثه عن علاقة الحب المباشر بين سحر بدوي والروائي يوسف البحراوي، ثم يبدأ بالحديث عن زوجته سحر العامري كتبه حتاتة بشكل بالغ الأهمية ويعد هذا »فلاش باك« فتراه الروائي يعود لسحر بدوي، مما يدل على المركزية في الرواية.
أما في أحد الفصول فنجد ثمة تقارب أكثر حميمية بين المروي عنه يوسف البحراوي وبين الباحثة سحر بدوي وهذا التقارب يجعلهما يدخلان في لعبة تبادل الأدوار فيحاول الكاتب أن يصنع هذا الاقتحام لجوهر شخصية سحر البدوي وهي بنية جديدة في الرواية وفي رأيه أن البناء الروائي هو بناء كلاسيكي كما يقول الناقد يسري عبدالله: فإن الراوي مهتم برسم الشخصية الروائية وفق المتوارث وذلك لأبعاد سياسية.
وهذه التقنية تدل على أن الرواية معينة بفكرة »الجناة« فهي رواية تدل على الدوران والإهواء الذي يدور فيها الوطن العربي في دائرة مغلقة، فالبنية المهيمنة على هذه الرواية هي بنية الإخفاق، وهي بنية تغني بعدم القدرة على تغيير الأحداث في الواقع الاجتماعي، وحالات الفشل التي تهيمن على الشخصيات المركزية في هذه الرواية.
وقبل انتهاء الندوة علق د. شريف حتاتة على كل القراءات التي اهتمت بمناقشة روايته قائلاً: إنها تجربة غريبة إذ جعلتني اكتشف روايتي من جديد، واستغرقت كتاباتها شهراً ونصف الشهر بعمل متواصل، حيث كانت زوجتي نوال السعداوي مسافرة بالخارج مما أعطاني فرصة في التركيز بالكتابة الروائية وأشكرها لأنها عنصر رئيسي في أن اكتب إبداعاً روائياً واكتشف قدراتي به, وأضاف: أنني ممتن لكل المداخلات التي كشفت لي الكثير.
حيث أن البرتقال الأخضر يجمع بين المرارة وبين الحلاوة، ومن خلال علاقاتي بمرض الكبد المنتشر، جعل عقلي الباطن يخزن الكثير من الحالات المرضية مما دفعني للكتابة عن العلاقة بين الوعي الخاص والوعي الباطني حتى تخرج لحظة إبداع. وهذه الرواية هي حصيلة تجربة وحياة عشتها وتراكمات ومراحل مليئة بالآلام ولحظات سعادة ومشكلات لنوال أثناء اعتقالها فعصر السادات.
كما عبرت في الرواية عن دور المرأة في المجتمع ونظرة هذا المجتمع إليها، فجمال المرأة في شخصية سحر العامري، وبالفعل الرواية مليئة بالروح الشبابية لأن المستقبل القادم مرتبط بالشباب وبشكل مهم بدور المرأة في المجتمع. (وكالة الصحافة العربية)
القاهرة ــــ داليا فـاروق

