«ما يبقى يؤسسه الشعراء».. بالتعاون مع معهد غوتة والسفارة الألمانية في الإمارات، احتضن المجمع الثقافي في أبو ظبي مساء أمس الأول، محاضرة بعنوان «وطن الشعراء:
أدونيس- هولدرلين- نوفاليس» تحدث فيها البروفيسور رونالد بيرلفيتس بمقاربة شعرية تاريخية عن أوجه الشبه والتأثير الذي تركته تجربة شاعري ألمانيا الكبيرين «نوفاليس» و«هولدرين» في تجربة الشاعر السوري أدونيس.
وقدّم للمحاضرة التي تميزت بحضور نوعي للعديد من الجنسيات المقيمة على أرض الإمارات؛ زكي نسيبة نائب رئيس هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، وشملت المحاضرة قراءات شعرية للشعراء الثلاثة ألقاها بالعربية الإماراتي مطر القاسمي، وبالألمانية الدكتورة إلكي كاشل موني.
إن أدونيس هو الجسر الذي ربط بين حضارات العالم في العصر الحديث؛ بهذه الكلمات افتتح البروفيسور رونالد بيرلفيتس - الذي يعمل أستاذاً للدراسات الألمانية في جامعة السوربون في أبو ظبي- وأردف قائلاً:
إنه وبالرغم من اختلاف اللغات والألسن والأعراق، إلا أن الشعر وما فيه من موسيقى إنسانية متناغمة تتجاوز الحدود، نراه وهو يتحول من ثقافة إلى أخرى دون جواز مرور.
وكيف أن الثمار الكونية للشعر تتخطى المديات اللانهائية، وهذا ما رأيناه في أدونيس ومخلوقه المسافر عبر الأزمنة والأمكنة «مهيار الدمشقي»، وعند هذه الكلمات ألقت الدكتورة الألمانية «كاشل» بعضاً من أبيات أدونيس من ديوانه سابق الذكر بلغة عربية مطعمة بالنبرة الغربية، ومن هذه الأبيات:
مهيار وجه خانه عاشقوه
مهيار أجراس بلا رنين
الوجوه مهيار مكتوب على..
أغنية تزورنا خلسة
في طرق بيضاء منفية
مهيار ناقوس من التائهين
في هذه الأرض الجليلية
وأضاف بيرلفيتس: إن مهيار الذي خلقه أدونيس وأظهره للوجود هو تلك الذات التي لا قرار ولا أرض لها، هو تلك الرغبة بالموت والحياة معاً، نبيٌ للسفر ورحالة متواصل، ليس له هوية، يسمو باللغة إلى التجرد حتى تتحدى الكونية، تلك اللغة التي تأخذ الذات من جوهر الوجود، وخلود الشعر والشاعر يكون في ذلك القلق الوجودي والمتغير دوماً، أما وطن قصائد أدونيس فهو الفضاء الكوني اللامتناهي.
ولعل المفارقة هنا؛ في أن أدونيس كان يعيش ودمشق آنذاك تحتضن إحساساً قومياً وطنياً، فظهر «مهيار الدمشقي» ممثلاً لكل تجليات الوطن ولكن بثوب وجوهر وجودي كوني يتجاوز الحدود، وأدونيس رسول يحتاج إلى وطن، فما هو وطنه؟ وطنه الوجود كله، فهو ليس رسولاً للشعر فقط؛ بل هو رسول للوجود.
ومضى بيرلفيتس بسرد المفاصل الأسطورية لسيرة أدونيس، فتحدث عن ولادته في اليوم الأول للسنة الميلادية، وكيف أنه ألقى الشعر في حضرة رئيس سوريا الأسبق شكري القوتلي واقتراح الأخير عليه بأن يتولى دفع مصاريف تعليمه، وارتباط اسم «ادونيس» الذي اختاره الشاعر أحمد علي سعيد -وهو اسمه الحقيقي- لنفسه، وارتباط هذا الاسم بأساطير بابل والإغريق، وكيف أن هذا الاسم يشكل رابطاً دلالياً بين الشرق والغرب منذ أقدم العصور.
وأضاف بيرلفيتس: لقد كان «مهيار الدمشقي» خطوة مهمة في حياة أدونيس، بل ان هذه الشخصية امتدت بصيغة أو بأخرى حتى في أشعار أدونيس الأخيرة التي كتبها بالفرنسية وحملت عنوان «الهوية غير الكاملة»، وشخصية «مهيار» في أشعار أدونيس تمثل عمق الفكر والأسئلة المتعلقة بالكون.
واعترف البروفيسور الألماني بالبعد الجمالي الفلسفي للغة العربية التي كتب بها أدونيس قصائده، وارتباط هذه اللغة بكلام الله «القرآن الكريم» وما يحمله ذلك من تجليات تنبض بها قصائد أدونيس لارتباط اللغة العربية بالذات العليا والعمق الروحي لهذه اللغة، وأقر بيرلفيتس بأن هذه الميزة التي تميز الشعر العربي غير متوفرة للغات الأوروبية.
وهو في بحثه المتواصل عن ذاته يذكرنا بشخصيات أسطورية أخرى مثل السندباد وأوديس، وهنا أيضاً أنصت الجمهور لقراءة الدكتورة كاشل بالعربية لمقطوعة أوديس من مجموعة مهيار الدمشقي:
حتى لو رجعت يا أوديس
حتى ولو ضاقت بك الأبعاد
الدليل واحترق
في وجهك الفاجع
أو رعبك الأنيس
تظل تاريخاً من الرحيل
تظل في أرض بلا ميعاد
وواصل بيرلفيتس حديثه بالقول: تداخلنا البهجة حين نرى بأن الشرق والغرب ورغم ظواهر الخلاف والاختلاف في العديد من الأمور، إلا أن جوهرهما واحد، هو الإنسان بكينونته والوجود بمطلقه، ولقد استطاع أدونيس إذكاء هذه الجذوة في العصر الحديث، وأرى بأن الثقافة والفن والشعر والحضارة هي نتاج مشترك لا يمكن أن تحده حدود.
والشعر يعطي ضوءا ووهجاً نقتاد به -كما يقول أدونيس- وعند هذه النقطة؛ انتقل بيرلفيتس ليتحدث عن الشاعرين الألمانيين «نوفاليس» و«هولدرلين» فذكر الأخير بقوله: يمثل «هولدرلين» نقلة نوعية للشعر في القرن الثامن عشر، وهو مؤسس التيار الرومانسي في ألمانيا، ولأدونيس صفة مشتركة مع هذا الشاعر وهي كونهما يمثلان جسراً في زمان كل منهما بين حضارات العالم.
وكما عشق أدونيس الشرق وذاب في سحره، فكذلك هو الحال مع شاعرنا الألماني الذي انتقد الغرب وتمحوره حول ثقافته وعدم انفتاحه على الشرق تلك الفترة، أما «نوفاليس» فقد سار بنفس الطريق في كتاباته «المسيحية وأوروبا» ودعا إلى تناغم وتفاهم الأمم بينها كأمم وليس أن تتمحور حول الأفراد، باعتبارها ظهرت من جوهر واحد، وفي شعر الاثنين نجد تلك النزعة الإنسانية التي تتجاوز جميع النزعات الأخرى..
وفي هذه اللحظة ألقى الإماراتي مطر القاسمي مقطوعة من أشعار «هولدرلين» وسط إعجاب الجمهور واندهاشهم لهذا الرجل الذي يرتدي الكوفية والعقال واللباس العربي بكل سمات الشرق، وهو يتلو أشعاراً بالألمانية ربما لم يسمع بها الألمان أنفسهم والمقطوعة تمثل خطاباً موجهاً للسماء، ثم ألقى القاسمي مقطعاً آخر للشاعر «نوفاليس» الذي اخترنا من شعره هذا المقطع:
أبطال من أزمان مخيفة
أرواح عميق لأجرام سماوية
واقفة، مرصعة، بشكل جميل
نساء ناعمات، عباقرة رصينون
أطفال وشيوخ متصدعون
كلهم يجلسون هنا
على شكل دائرة
وسيكونون في العالم القديم
واسترسل بيرلفيتس قائلاً: إن الشعر والفن والجمال تعبر عن عظمة خالق الوجود، وحين كتب شعراؤنا الثلاثة قصائدهم كانوا أقرب إلى التعبير والذوبان في تلك العظمة والتجلي، وقد تراءى لأدونيس وهولدرين إشراقات أسطورية غريبة، وهنا يلقي الدكتور زكي نسيبة مقطعاً من قصيدة «قبر من أجل نيويورك» التي كتبها أدونيس عام 1971م - أي قبل كارثة البرجين بثلاثين عاماً.
وهو ما يذكرنا بالمقالة الرائعة التي كتبها الدكتور شاكر النابلسي بعنوان «هل قرأ ابن لادن شعراء الحداثة»، في إشارة لهذه القصيدة وقصيدة البياتي «قداس جنائزي في نيويورك» وقصائد أخرى- نعود لمقطع القصيدة التي ألقاها نسيبة:
حضارة بأربع أرجل؛ كل جهة قتل وطريق إلى القتل
تمثال امرأة ترفع خرقة يسميها الحرية.. ورقٌ نسميه
التاريخ، وفي يد تخنق طفلة اسمها الأرض
جسد بلون الإسفلت حول خاصرتها زنار رطب، وجهها شباك مغلق
نيويورك.. سوق العبيد من كل جنس
في ختام المحاضرة فتح باب الحوار بين الجمهور والمحاضر، ورغم انشغال الجميع بالحديث عن الشعر والشعراء الثلاثة المحتفى بهم؛ إلا أن البعض فقط أدرك جمالية اجتماع أجناس أبناء الأرض من كل الأعراق والقوميات والأديان حول مائدة الثقافة الإنسانية، والشعر بوصفه ليس ديواناً للعرب فحسب، بل ديوان وفضاء لجميع أبناء هذه الأرض، ونختم بما بدأناه بمقولة هولدرلين: ما يبقى يؤسسه الشعراء.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري
