عادة ما تصطدم الأحلام بالواقع فتتحول إلى حالات من الهواجس والهلوسات وعلى وقع الألم تدفع إلى الصحو ولو متأخراً، وكيف يمكن لمقولة شعبية معروفة أن تتحول إلى عمل مسرحي متكامل العناصر، فيشدّ الجمهور لمفردات تناغمت بين الأداء المعبر، واللفظة المحكية الملامسة لطقوس الناس اليومية؟
أسئلة عديدة مزجت بالسخرية والطرافة في قالب محبب حيث استطاعت (زجاجة السمن) الإجابة عنها، ذلك هو العرض المسرحي الوحيد ضمن فعاليات أيام الثقافة السودانية في الشارقة، والذي شهد حضوراً جيداً، تفاعل معه الجمهور بمختلف فئاته وكان عرضاً ناجحاً بشكل عام.
وقد نسجت (زجاجة السمن) من خيوط الحكاية الشعبية، وعكست أحلام وآمال البسطاء المشروعة، عبر حكاية رجل بسيط يحلم ببيع زجاجة السمن، فتنطلق خيالاته وأحلامه في رحلة نحو اللامعقول، تبدأ بأمنياته الصغيرة لتغيير مظهره وأحلامه بالثراء والتعليم والزواج، جاء ذلك بلغة محكية بسيطة استطاع العرض أن يعلن من خلالها نقده للعادات اليومية في إطار ساخر، مؤلم حيناً ومضحك في أغلب الأحيان.
يذكر أن العرض قد اعتمد على أسلوب الممثل الواحد فكان الصدق في (المونودراما) في أعلى درجاته صادقا إلى أعلى درجات الصدق، عرض متماه مع براعة (عبدالله صوصل) الممثل الشاب، الذي أجاد في أدائه الحركي على الخشبة، واستطاع التلوين في أدائه الصوتي والإيمائي بدرجة لافتة، استحق معها متابعة الجمهور الخاص بالعرض السوداني.
وقد كانت ديكورات العرض المسرحي، بسيطة ومعبرة في الوقت نفسه، حيث الجرار والمقعد الخشبي، وبعض الملابس، بالإضافة إلى الأدوات الموسيقية التقليدية، فيما شكلت الإضاءة المتوازية عنصراً هاماً مرافقاً لم يطغ على الأداء التمثيلي، في الوقت الذي نجح فيه الممثل، في الخروج من رتابة الأداء المنفرد.
وعلى الرغم من التصاق المفردات بالبيئة، إلا أنه استطاع الخروج من محلية الأجواء إلى الهموم الإنسانية العامة، فكان صوت الأحلام واللاوعي، حيث يمكن تعميمها لتصبح نموذجاً عندما تغيب مساحة الوعي وتصبح خطرة لدرجة أنها تكسر هذا الواقع على نحو تراجيدي الأمر الذي حدث في النهاية مع (فضل) بطل الحكاية، والذي أراد أن يغير اسمه إلى (هيثم) لتكون النتيجة تحطم الزجاجة، ونهاية الأحلام.
وعلى الرغم من قصر مدة العرض المسرحي الذي لم يتجاوز النصف ساعة، إلا أنه استطاع تقديم فكرته بتكثيف لا يحتمل الإطالة أكثر من ذلك، وإن أخذ على الأداء المبالغة في بعض المواقف، والرغبة في الخروج عن تقليدية الأداء المسرحي في مواقف أخرى، الأمر الذي ولد انطباعاً بالتكلف لدى المتلقي في بعض الأحيان، ومما يشفع للعرض، تمكن الممثل السوداني الشاب من أدواته المسرحية وتفاعل الجمهور مع العرض القادم من بلاد النيلين، زجاجة السمن عمل كشف عن مواهب تستحق التوقف عنها.
