ما مدى ارتباط الجمال بالفن؟ وهل يمكن فصلهما؟ وإن لم يكن، فارتباط الجمال بالفن ألا يحد من اشتمال الفن على مجالات حياتية متنوعة ومتعددة؟ وإذا كان الجمال بما نفع فماذا عن الفن من أجل الفن؟

قديماً اخضع سقراط مفهوم الجمال لمبدأ الغائية، وبات الشيء الجميل عنده ما كان له فائدة للإنسان، والرائع في الفن ما كان نافعاً، ورأى أن موقع حسن الشيء من الروعة ما تناسبت غاياته مع غاية النفع التي تصيب الإنسان، في حين أن القبيح والرديء هما ما لا جدوى منهما ولا نفع لهما..

و لو رجعنا إلى الأصل الاشتقاقي لكلمة (الفن)، Techne (باليونانية) و(النشاط الصناعي النافع بصفة عامة)، فلم يكن لفظ (الفن)، عند اليونانيين مثلاً، قاصراً على الشعر والنحت والموسيقى والغناء وغيرها من الفنون الجميلة، بل كان يشمل أيضاً الكثير من الصناعات المهنية، كالنجارة والحدادة والبناء وغيرها من مظاهر الإنتاج الصناعي.

بينما نجد أرسطو يقسم المعارف البشرية إلى ثلاثة أنواع: معارف نظرية ومعارف عملية ومعارف فنية، فلم يكن أرسطو يخلط بين الفن والمعرفة العملية، بل كان يقول: إن غاية الفن تتمثل بالضرورة في شيء يوجد خارج الفاعل، وليس على الفاعل سوى أن يحقق إرادته فيه، في حين إن غاية العلم العملي هي في الإرادة نفسها، وفي الفعل الباطن نفسه.

فالفن، بهذا المعنى، يتمثل في القدرة البشرية على خلق أشباه موجودات، ولعل هذا هو السبب في أن الفلاسفة قد وضعوا منذ البداية (الفن) في مقابل (الطبيعة) على اعتبار أن الإنسان يحاول عن طريق الفن أن يستخدم الطبيعة، ويضطرها إلى التلازم مع حاجته، ويلزمها بالتكيف مع أغراضه.

ويبدو أن العرب والمسلمين، أيضاً، قد فهموا الفن بهذا المعنى، بدليل أنهم قد فرقوا بين الطبيعة والصناعة، وذهبوا أيضا إلى أن (الصناعة تستملي من النفس والعقل، وتملي على الطبيعة)، وكان العرب يستعملون كلمة (الصناعة) للإشارة إلى الفن عموماً.. ويمكننا العودة في هذا الخصوص إلى قول التوحيدي: (إن الطبيعة مرتبتها دون مرتبة النفس، تقبل آثارها..

فالموسيقار إذا صادف طبيعة قابلة ومادة مستجيبة، وقريحة مواتية وآلة منقادة، افرغ عليها بتأييد العقل لبوساً مؤنقاً وتأليفاً معجباً وأعطاها صورة معشوقة، وحلية مرموقة، وقوته في ذلك تكون بمواصلة النفس الناطقة. فمن هاهنا احتاجت الطبيعة إلى الصناعة، لأنها وصلت إلى كمالها من ناحية النفس الناطقة، بواسطة الصناعة الحادثة، التي من شأنها استملاء ما ليس لها، وإملاء ما يحصل فيها، استكمالا بما تأخذ وكمالاً لما تعطي).

وهذا النص إن دل على شيء فإنما يدل على أن العرب قد فهموا أن الفن هو الإنسان مضافا إلى الطبيعة، ما دام دور الصناعة هو تسجيل ما تمليه النفس الناطقة على الطبيعة، وتتكيف الطبيعة مع حاجات الإنسان النفسية والعقلية.

لكن المناطقة في الفلسفة يقولون إن الجمال هو الفن قبل أن يعبر عنه، هو الفن بالقوة، والفن هو الجمال بعد أن عبر عنه بالفعل، وهذا التلازم بين كلمة فن وكلمة جمال يجعل (الفن) يتداخل في الاستخدام مع (الجمال) عن طريق المجاز حيناً وعن طريق التجاوز والدقة أحياناً أخرى.

ولكن ما يسعى إليه الفن حالياً ليس محاولة تصوير حقائق الوجود وانعكاسها في نفوس البشر كما هي، بل خلق نسخ جديدة منها، وتقديم مظاهر من الكون على نحو أكثر شفافية وأعمق دلالة مما يمكن أن يكون لها وقع عليهم في حياتهم اليومية.

mah7z@hotmail.com