من بين آلاف الأحجار الكريمة اختارت (فص الابتسامة) وجعلته دليلا على ارتباطها بالصفاء وحب الناس.. في كل صباح تروي نبتة الأمل في مزهرية الحياة.. تغني للطير والسحابة أغنية المطر الأبيض الذي يبلل القلب بنوايا الخير ويروي عروقه بلحن إنساني عذب.

من بين قلائد الذهب كلها اختارت ان ترتدي (قلادة الحشمة) في القول والفعل، وان تتزين بحماسة المشاركة في جعل الحياة أجمل وأبهى.. كل يوم يراها الجميع وهي تكنس الضغائن والأحقاد من حولها وترميها في البحر.. ثم تجلس وحيدة قبالة الشمس وتهتف: الهي اجعلني أداة للرحمة والمحبة وانثرني ذرة ذرة في نورك الأبدي الخالص.

من بين تيجان المعاني كلها لبست (تاج النباهة) فصار يتبعها الحكيم من سطر إلى سطر وتصفق لها الكتب التي تقرؤها.. تنحني عند مرورها الكلمات والأسماء والأشياء وتشع قصيدة الكون كلما غنت بحنجرة مشرقة.. يرافقا ناي الحنين العذب وكمنجة المدى في صدى بلا نهاية او زوال.

في معصمها (اسوارة الانتماء).. ترهن يومها كله لتسقي الوطن بعرق يغذي زهرة السلام.. توزع مرايا البحر على اطفال المستقبل كي يتعلموا لغة الارتباط بالماضي الجميل. وعند المساء، تشرح على سبورة الليل درسا في فن انتمائك إلى النجمة وأنت ثابت على الأرض، وفن ارتباطك بالقمر والنور وأنت محاط بالظلام الذي في القلوب المريضة.

كانت تلوح للطير المهاجر فلمحت في يدها (خاتم الوضوح).. وأدركت لماذا يتبعها الملاك إلى النبع النقي كي تسقيه من صفاء الطبيعة جرعة لا يعطش بعدها أبدا.. وأدركت ايضا ان النبع الأصيل لا تسده صخرة الكراهية مهما كانت كبيرة، وان ماءه العذب سيظل يتدفق من بين الشقوق ليصل إلى النبتة الوحيدة في جدار الوادي..

والى العطشان في صحراء الحقيقة.. هذا النبع الأصيل والصافي هو الذي يغسل رماد النميمة ويطهر الطريق للارتقاء بالإنسان إلى منزلة عليا، لكن كثيرين يفضلون الشرب من الينابيع الجافة فلا ترتوي أرواحهم ولا تغتسل قلوبهم السوداء.. وهؤلاء هم قتلة الملاك وأعداء الجمال والحقيقة والصدق.

في احلامها الواقعية جدا، تستيقظ في صباح وردي ومعها تستيقظ الدنيا ويشع في الكون بريق ابيض.. ترتدي (عباءة الفجر) وتلف رأسها بـ (هالة النور) وتركض حافية باتجاه البحر لتسمع أغاني البحارة من صدى الماضي، ثم تلتفت الى المدينة وتقرأ في صفحاتها ذكريات المستقبل.. وبين لحظة الماضي ولحظة القادم تقف هي في منتصف العالم شاهدة على زمن التحولات الكبيرة والصغيرة في النفوس وفي الأفكار.. ثم تدرك ان الأصل الحقيقي للاشياء لا يتبدل مهما دارت الأرض، وان احتفاظ الإنسان بالقيم الجوهرية وبالمعاني السامية هو الكنز الحقيقي والأغلى.

akhozam@yahoo.com