للصمت لغة نعجز عن إدراك سر حروف كلماتها، لغة تأخذنا بعيداً إلى أقصى حدود الوجد فنشعر أن كل لغات العالم لا تستطيع التعبير عن لحظات يقف فيها وجيب القلب برهة، علّ المشاعر تنداح رويداً كفجر أليف، وأن كل محابر الشعراء والمغرمين قد جفت، فلم تعد تجدي الدواة والأقلام وكل أدوات الكتابة التى إبتدعناها لتشي بعذاباتنا التي لا تنتهي.
وفي صمت حبور يلامس شغاف الروح، يرسم البسمات على الشفاه المرتعشة، فيورق الأمل، وتخضر الحياة، كبرعم يحبو نحو النور الساكن في عيوننا، يسكن محاجرنا، ويرفض أن يغادرنا إلا مع دمعة فرح تتهاطل ندية، سخية، تغسل ما في أرواحنا من وحل الأيام وغبار الساعات، تضيء الأفئدة بألف شمعة وشمعة هي للصمت صنوان، فما أبدع الصمت الموشح بالدمع، المزنّر بالصبر على مرّ الأيام.
وكما للضجيج عناوين تملأ الآفاق.. فإن للصمت عنوان واحد، وحيد، لا تخطئه الروح، ولا تخشاه النفس، عنوان يمتد من أول السطر إلى آخر الحروف المشاغبة التي لا تعرف حداً فاصلاً بين بياض الورق وسواد الغموض، القابع بهدوء، الصابر، العارف بخواتيم الأمور، الشامت بنا وبسذاجة حيلنا التي أعيتنا ولم تفلح في إرسال صمتنا الخجول إلى عناوين الفرح المكتوبة على كل الطرقات.. الآن الصمت لا يعرف أبجدياتنا التي تنوعت وتعددت ولم تعد وسيلة للتواصل بيننا نحن البشر؟!
لم يخف الصمت كل هذه الأسرار، ولم تتدثر الأحلام البكر بشطآنه رافضة النزول إلى بحور العبرات، ألأنها تخشى الغرق في لجج الواقع؟ أم أنها لم تألف بعد حكايات البعد وآهات المقهورين وعذابات الأمهات على بوابات الانتظار ومعابر الدخول إلى الأوطان المعذبة؟ ولم تتعرف بعد على الأطفال القابضين على جمر القصص التي لم تستطع الجدات أن ترويها في مساءات الصبر الطويلة؟ كما لم تسامر أحلام الشهداء المسجّاة في ثلاجات الموت، المرفوعة دائماً فوق الجبين، الرافضة أن تسكن العيون، المصرّة على العلو على كل الحواجب والحواجز.
للصمت لغة، ندرك الآن أنها أبدع من كل اللغات، كما للأسرار مفردات لا تقرؤها إلا القلوب الرهيفة، المتواعدة، على كلمات لا تتجاوز عدد أيام الفرح، وحروف لا تتعدى مساحات الوجع وما أوسعها في أرواحنا، الساكنة دوماً إلى الله، تتجمع كل غسق لترسم حدود هذه اللغة البيضاء،
فيما الغيوم ترسم على خط الأفق كلمة واحدة، يتيمة، تطلب منا العهد على الصمت والأسرار التي تبدأ من جديد ولا تنتهي، لتبدأ معها حكايات الصبر الممتد، حكايات سرمدية، لا تروى، بل تودع لدى الأرواح المتعبة، زوّادة الأيام القادمة والسنوات الشحيحة بالأمل.. ندعها دون أن ندرك أنها حكمة نتعلمها من الأقدار رغماً عنا... يا الله كم نحتاج إلى الصمت للبوح بكل ما يعتمل قلوبنا وأرواحنا، كما نحتاج إليه على الدوام.