لا اعتقد أن أحداً منا وهو يقرأ جريدته اليومية لا يفتش عن صفحة الكاريكاتير، وقد أصبح رسامو الكاريكاتير أشهر من نار على علم عند كل قراء الصحف السيارة أو المجلات، وارتبط هذا الفن المعاصر بحياتنا من خلال ما عرف عن العرب من حبهم للنكتة، وما عرف عن هذا الفن بارتباطه السياسي - الاجتماعي، فهو إذن يدخل في باب التنفيس الذاتي للشخصية ذاتها، وقد ازدهر هذا الفن في النصف الثاني من القرن الماضي مع انتشار الصحافة، وزاد انتشاره عبر الانترنت.

وقد زادت السنوات المتأزمة التي عشناها من شهرته، خاصة تلك الأحداث المفصلية في حياة الأمة العربية، فقد كان صورة معبرة عن أحلامنا، وهمومنا، ومخاوفنا، كما كان مؤشراً لانتصاراتنا وهزائمنا وانكساراتنا، وقد تصاحب مع نكتة الشارع التي كانت تنطلق صباحاً في القاهرة لتصل إلى آخر الوطن العربي بعد ساعات قلائل.

كانت النكتة، والكاريكاتير وسيلتي الاحتجاج عند الإنسان العربي، ينتشران عندما يضيق سقف الحرية، وتحاصر الأفكار ويُمنع الإنسان من التعبير عن ذاته، وتغالي السلطات في اضطهاده، كانت النكتة والكاريكاتير وسيلتين معبرتين بديلتين عن الحرية حينما ينتشر الظلم، ويتفشى الفساد، وكان الضحك حتى البكاء كما جاء عنوان مسرحية للكاتب علي سالم، متنفساً للإنسان، انعكس ذلك حتى في المسرح السياسي الذي عرفناه عن كثب في هذا الوطن العربي.

كل العرب يمارسون النكتة، ويفتشون عن رسوم الكاريكاتير وقد برز العديد من الرسامين أصحاب الأساليب الخاصة بهم، ولعل من أبرزهم صلاح جاهين، وحجازي في مصر، وغازي في العراق، والفلسطيني الشهير ناجي العلي، صاحب شخصية حنظلة والذي اغتالته إسرائيل انتقاماً من رسوماته التي عراها بها مثلما عرى الكثير من رجال السلطات الرسمية.

ونذكر أيضاً حامد عطا، وفرزات المعروف بسلاطة قلمه ورسوماته، ومصطفى حسين الساخر في تعليقاته ورسوماته، إضافة إلى عدد كبير من الفنانين العرب والمصريين أمثال رخا وصاروخان وحسن أدلبي وحيدر محمد والمحرقي.

يقال - والعهدة على القائل - إن المصريين أصحاب أول نكتة في التاريخ، ويؤكد المصريون أدبياتهم أنها تعود إلى ما قبل 4550 عاماً، وقد أطلقنا على الشخصية المصرية «ابن نكتة» وقد يبادرك صديق مصري عندما تصبّح عليه في أول نكتة لذلك الصباح، والعدوى انتقلت إلى الشعوب العربية الأخرى، خاصة تلك التي تمر في مأزق يومي دموي لا يقابله إلا نكتة تخفف عن الإنسان بلواه.

وهذا ما يحدث في العراق حيث أصبحت الشخصية العراقية لا تستغني عن النكتة، ومع كل عبوة ناسفة نستمع إلى عشرات النكات، وكأننا نقاوم الموت بالضحك والاستهزاء من الحياة الرخيصة التي لا تزيد من قيمة الإنسان فيها إلى أكثر من ثمن رصاصة باردة رخيصة.

ومما يقال أيضاً، أن بعض الرؤساء العرب يهتمون بالنكتة ويستمعون إليها، يقول الكاتب عادل حمودة في كتابه «النكتة السياسية» إن جميع النكات تُجمّع من قبل هيئة رسمية وترفع إلى رئاسة الجمهورية، وأذكر أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أشار في واحدة من خطبه المباشرة إلى الكف عن إنتاج النكات عن هزيمة 1967.

وأعرف أيضاً أن صدام حسين كان يستمع إلى النكات التي تقال في الشارع العراقي، ومما يذكر عن الرئيس جلال الطالباني أيضاً أنه يستمع إلى نكت الشارع العراقي أيضاً، علماً أن منتجي النكت هم من الطبقة المثقفة وكذلك المتلقون لهذه النكات.

وقد نشرت إحدى المجلات إحصائية ميدانية غريبة تقول إن 49% ممن يستمعون للنكتة السياسية هم ممن حصلوا على تعليم عال وحوالي 30% ممن حصلوا على تعليم متوسط، و 7% فقط من الأميين، هذه الإحصائية تدلل بشكل قاطع على أهمية وخطورة النكتة، وكذلك الصورة الكاريكاتيرية إذا اعتبرناها نكتة مرسومة هي الأخرى.

abdulelah_q@hotmail.com